د. سلوى سليمان
وتُعد الاستثمارات في السنوات الأولى من التعليم من أكثر الاستثمارات فعالية من حيث التكلفة والعائد. وفي المقابل، قد يؤدي عدم ضمان حصول الأطفال على التعليم المناسب إلى أضرار جسيمة تطول الأفراد والمجتمعات في الحاضر والمستقبل.
وقد شجّع ذلك العديد من البلدان على زيادة استثماراتها في مرحلة الطفولة المبكرة، إيمانًا منها بأنها أساس بناء مجتمعات عادلة ومستدامة، وسبيل إلى تحسين جودة حياة الأفراد وإكسابهم المهارات اللازمة للمنافسة.
وتُعد الموارد الطبيعية والطاقات البشرية جناحي التنمية في أي مجتمع، بما يمكّنه من مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق طموحاته التي يفرضها مجتمع المعرفة.
وتمثل الطاقات البشرية الموهوبة ثروة حقيقية للمجتمعات، فهي رصيد الحاضر وقادة المستقبل وصنّاع التاريخ والحضارة، كما تمثل رصيدًا استراتيجيًا لتحقيق التطور العلمي والفكري والتقني للأمم.
ومن ثم، فإن رعايتها وحسن توجيهها يُعدان من أفضل أشكال الاستثمار في رأس المال البشري، بينما يمثل إهمالها إهدارًا لثروة المجتمع وإمكاناته.
ويتميز الطفل الموهوب بامتلاكه استعدادات تؤهله لتحقيق أداء استثنائي، وقدرات عقلية مرتفعة، واستعداد أكاديمي خاص، إلى جانب التفكير الإبداعي.
وغالبًا ما يكون أكثر إدراكًا للمفاهيم، وأوسع معرفة من أقرانه في العمر نفسه، كما قد يُظهر حسًّا فكاهيًا واضحًا، ومستويات مرتفعة من الالتزام والمثابرة.
ويحتاج هذا الطفل إلى برامج تربوية تتجاوز ما تقدمه المدرسة في إطار برامجها العادية، بما يساعده على تنمية قدراته وتطوير إمكاناته، والإسهام في خدمة مجتمعه.
وقد تظهر قدرات الطفل الموهوب في الرسم والتخيل، وربما يُعزى ذلك إلى قدرته على التعبير عن نفسه، وتجميع الجزئيات الصغيرة في صورة كلية متكاملة، بما يعكس اتساع خياله، وقدرته على إدراك العلاقات بين الأشياء، ومرونة تفكيره، وإعادة بناء الأفكار، واستكشاف المجهول.
فالطفل الموهوب قد يتسم بالمثابرة وروح القيادة، والاهتمام بدقائق الأمور وتفاصيلها، وارتفاع مستوى ذكائه الوجداني، والتفكير التأملي؛ وهي خصائص يمكن أن تسهم في إكسابه مهارات متعددة، والوصول به إلى مستويات متميزة من الأداء مقارنة بأقرانه.
والأطفال الموهوبون ثروة وطنية للمجتمعات التي تسعى إلى بناء حضارة راسخة، وتطمح إلى تبوؤ مكانة مرموقة في عالم الغد.
ويأتي الكشف المبكر عنهم في مقدمة السبل لتحقيق هذا الهدف. وتُستشهد في هذا السياق بقصص عدد من الشخصيات البارزة التي واجهت صعوبات أو أحكامًا سلبية في مراحل مبكرة من حياتها؛ فقد أُثيرت روايات عن أن معلمي توماس إديسون لم يقدّروا قدراته التعليمية، وأن أداء إسحاق نيوتن كان ضعيفًا في المرحلة الابتدائية، وأن ألبرت أينشتاين واجه تأخرًا في اكتساب بعض المهارات في طفولته.
كما تُروى قصة عن تعرض والت ديزني للانتقاد بسبب أفكاره الصحفية، وقيل إن إنريكو كاروسو لم يكن يمتلك صوتًا يؤهله للغناء.
ومع ذلك، أصبح توماس إديسون مخترعًا بارزًا ارتبط اسمه بالمصباح الكهربائي والفونوغراف والصور المتحركة، واشتهر السير إسحاق نيوتن بإسهاماته في تفسير الجاذبية ووضع أسس الميكانيكا الكلاسيكية، فيما أصبحت نظرية النسبية لألبرت أينشتاين من أبرز الإنجازات العلمية في تاريخ الفيزياء الحديثة.
وأسهم والت ديزني في ابتكار شخصية ميكي ماوس وتأسيس عالم ترفيهي ارتبط اسمه بديزني لاند، بينما أصبح إنريكو كاروسو أحد أشهر مغني الأوبرا في مطلع القرن العشرين.
ومن الأمثلة الأخرى لودفيج فان بيتهوفن، الذي أظهر موهبة موسيقية استثنائية، وأصبح عازفًا وملحنًا بارعًا، رغم إصابته بالصمم في مرحلة لاحقة من حياته.
ولم تمنعه إعاقته السمعية من مواصلة التأليف الموسيقي، فقدم عددًا من أشهر السيمفونيات في تاريخ الموسيقى.
ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا: كيف تمكن هؤلاء من تحقيق الشهرة والابتكار؟ تكمن الإجابة في امتلاكهم قدرات واستعدادات مميزة أسهمت، إلى جانب التعلم والتدريب والفرص المتاحة، في تطوير مواهبهم وتحويلها إلى إنجازات مؤثرة.
وفي المقابل، يمكن الإشارة إلى حالات عديدة لأفراد امتلكوا قدرات ومواهب خاصة، لكنهم لم يجدوا من يكتشفهم في مراحل مبكرة من حياتهم، ولم تتوافر لهم البرامج التربوية الملائمة لرعاية إمكاناتهم وتنميتها، الأمر الذي قد يحول دون تحقيقهم أقصى ما تسمح به قدراتهم.
ويتمثل التحدي الراهن في تمكين الأطفال من المهارات والمعارف والقدرات التي تؤهلهم للتعامل مع أنماط العمل الجديدة، ومتطلبات المواطنة العالمية، والمنافسة العابرة للحدود، والتغيرات المتسارعة. كما يتطلب إعدادهم للمشاركة الفاعلة في سوق العمل، والتكيف مع التحولات الاجتماعية، والتفاعل مع مجتمع وعالم يتغيران بوتيرة متزايدة.
ومن هنا، تتعاظم أهمية إكسابهم رأس مال اجتماعيًا ومعرفيًا ونفسيًا يساعدهم على التكيف والابتكار والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
فهذا العصر في أمسّ الحاجة إلى العقول المبدعة والطاقات القادرة على الابتكار. فمن خلال هذه العقول تتحقق الاكتشافات في شتى المجالات، وتزدهر الحضارات، وتتقدم الإنسانية.
ومن ثم، أصبح الاهتمام بالمتفوقين والموهوبين ضرورة حضارية تفرضها تحديات التطور العلمي والتكنولوجي، وليس ترفًا فكريًا أو ممارسة تربوية إضافية يمكن الاستغناء عنها.
وتُعد مرحلة الطفولة نقطة ارتكاز للمراحل العمرية اللاحقة؛ إذ أكدت مؤتمرات تربوية أهمية توفير رعاية متكاملة للأطفال تشمل الجوانب الجسمية والعقلية والصحية والنفسية والاجتماعية، مع الاهتمام برصد مؤشرات تميزهم ونقاط قوتهم واستثمارها.
وفي هذا السياق، أشار باحثون، من بينهم جيلفورد وتورانس وماسلو، إلى أهمية مرحلة الطفولة في التعرف على الاستعدادات المرتبطة بالموهبة والإبداع.
ويؤكد ذلك ضرورة إتاحة الفرص المناسبة للأطفال للتعبير عن قدراتهم وتنميتها، إذ قد يؤدي تأخر اكتشاف هذه الاستعدادات أو غياب الرعاية الملائمة إلى الحد من فرص تطويرها والاستفادة منها.
وفي العديد من البلدان، يُستخدم معدل الذكاء الذي يبلغ 120 درجة أو أكثر أحد المؤشرات التي يمكن الاستعانة بها في التعرف على الأطفال ذوي الاستعدادات المرتبطة بالموهبة، وإن كانت معايير تحديد الموهبة تختلف باختلاف النظم التعليمية والأدوات المستخدمة. وعند مقارنة هؤلاء الأطفال بأقرانهم، قد تظهر لديهم كفاءة ملحوظة في معالجة المثيرات والمعلومات، والقدرة على التركيز لفترات طويلة، وإنتاج أعمال تتسم بالأصالة والتميز مقارنة بما يُتوقع من أقرانهم في العمر نفسه.
ويستوجب التعرف على الأطفال الموهوبين جمع بيانات من مصادر متعددة، تشمل المدرسة، من خلال المعلمين والأقران، والأسرة، من خلال الوالدين والإخوة، مع الاعتماد على الملاحظات الفعلية أثناء أداء المهام والأنشطة المختلفة.
ويساعد هذا التنوع في مصادر المعلومات على جعل عملية التعرف أكثر دقة وموضوعية، ويحد من الاعتماد على مؤشر واحد قد لا يعكس القدرات الحقيقية للطفل. ويُفضل أن تتم هذه العملية عبر مراحل متعددة تشمل الفرز الأولي، والقياس، والملاحظة المنظمة، وتقييم الأداء.
وقد أصبح الاهتمام بتقييم مؤشرات الاستعداد للموهبة لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة ضرورة تربوية، إذ يمكن أن تظهر بعض هذه المؤشرات في سن مبكرة جدًا، وقد تبدأ ملاحظتها منذ العامين الأولين من العمر.
وأشار تورانس إلى تغير أنماط ظهور بعض المؤشرات المرتبطة بالإبداع والموهبة عبر المراحل العمرية، مع تباينها بين الفئات العمرية المختلفة.
وقد تُفسر بعض حالات التذبذب في ظهور هذه المؤشرات بتأثيرات التنشئة الاجتماعية، وأساليب التعلم، واختلاف أدوات القياس المستخدمة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن مسار نمو القدرات يختلف باختلاف المجال والعمر؛ فقد تظهر لدى بعض الأطفال في عمر العام مؤشرات متقدمة في فهم الكلمات المنطوقة، أو ما يُعرف باللغة الاستقبالية، بينما تظهر لدى آخرين في عمر عام ونصف مؤشرات متميزة في التعبير اللفظي، أو اللغة التعبيرية.
وفي عمر العامين، قد تبرز استعدادات في مجالات مثل الحساب والإدراك، وتستمر هذه القدرات في التطور والظهور بأشكال مختلفة حتى سن الخامسة وما بعدها.
وتؤكد هذه الاختلافات أهمية مراعاة الفروق الفردية، وعدم إخضاع جميع الأطفال لمعيار واحد في تحديد الموهبة أو توقيت ظهورها.
ومن هنا، يمكن القول إن الأفراد يمتلكون قدرات واستعدادات متفاوتة يمكن أن تتطور في مجالات مختلفة من المعرفة والمهارات، من خلال التعليم والتدريب وتوفير الخدمات المناسبة، وتحويل نقاط التميز إلى أداء وسلوك ملموسين.
ولهذا، يحرص التربويون على توفير بيئة غنية بالمثيرات والخبرات التي تتيح للطفل النمو المتكامل معرفيًا ووجدانيًا ومهاريًا ولغويًا واجتماعيًا وجسميًا.
وغالبًا ما يكون الآباء أول من يلاحظون أن طفلهم ينمو بطريقة تختلف عن أقرانه، ولذلك يمثلون مصدرًا مهمًا للمعلومات المتعلقة بتطوره وقدراته.
وقد يلاحظون لديه مؤشرات مبكرة، مثل القدرة على إعادة سرد الأحداث بتفاصيل دقيقة تفوق المتوقع لعمره، واستخدام مفردات متنوعة، وحل ألغاز أكثر تقدمًا، وتعلم القراءة في سن مبكرة مقارنة بالأطفال الآخرين، وممارسة ألعاب تتضمن قواعد معقدة، وشرح فهمه للعالم بطرق تشبه ما يُتوقع من أطفال أكبر سنًا، فضلًا عن أداء مهام تتسم بالتحدي وتتطلب قدرات متقدمة.
وفي الختام، فإن اكتشاف القدرات المبكرة ورعايتها خلال مرحلة الطفولة يمكن أن يكون لهما تأثير مهم في مسارات النمو المختلفة، وفي تهيئة الطفل للمستقبل.
ومن ثم، فإن الكشف المبكر عن الاستعدادات المرتبطة بالموهبة والتفوق، باستخدام أساليب علمية منظمة وفي ظروف ملائمة، يمثل ركيزة أساسية لدعم النمو المتوازن للأطفال، كما يشكل استثمارًا مستدامًا في الثروة البشرية، بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.