البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
تفصلنا أيام معدودة عن انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي ستشهد تنافسًا محمومًا بين الكتل المختلفة؛ تنافسًا لا يهدد بقاء بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى مكانة سارة نتنياهو في المجال العام، ويائير نتنياهو، المقيم في الولايات المتحدة بعيدًا عن المشهد الإسرائيلي.

وقد زادت نتائج استطلاعات الرأي من سخونة الأجواء السياسية في إسرائيل، ودفعت نتنياهو إلى خلع ربطة عنقه وخوض جولات إعلامية لتحسين صورته أمام وسائل الإعلام العبرية.

وخلال اليومين الماضيين، أطلق اتهاماته في اتجاه الجميع: المعارضة، ورؤساء الأجهزة الأمنية، والمؤسسة القضائية، والشرطة، مستثنيًا نفسه وعائلته، رغم أن الدعاوى القضائية المتهم فيها بخيانة الأمانة والرشوة والفساد لم يُفصل فيها نهائيًا.

لعل إحدى أبرز مشكلات معسكر المعارضة في إسرائيل تتمثل في عدم اتفاقه على مرشح واحد من بين صفوفه لتولي رئاسة الوزراء؛ إذ يرى كل طرف في نفسه المرشح الأنسب للمنصب المرتقب.

فبنيت يعوّل على خبرته السياسية، وليبرمان يطرح نفسه في إطار مناورة قد تستهدف رفع ثمن انضمامه إلى الائتلاف الحكومي المقبل، بينما يراهن غادي آيزنكوت على صورة الرجل الغامض القادر على جذب أصوات المترددين. ومع ذلك، تتفق أطياف المعارضة على قاسم مشترك وبرنامج انتخابي متقارب، يتمثلان في إزاحة نتنياهو عن المشهد السياسي، وتبني سياسات اقتصادية واجتماعية وإصلاحية تختلف، في جوانب عدة، عما نفذه نتنياهو أو سعى إلى تنفيذه طوال فترة توليه رئاسة الحكومة.

في المقابل، يحاول نتنياهو ومعسكر اليمين إحراج المعارضة من خلال التباهي ببرنامج سياسي وعسكري أسهم في توسيع السيطرة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي الفلسطينية، والسعي إلى تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»، وهو ما يزعم نتنياهو ومعسكره أن المعارضة عاجزة عن تحقيقه. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل سيحتفظ بنيامين نتنياهو بتشكيلة ائتلافه الحالية إذا فاز في الانتخابات؟

يتقن نتنياهو، بحسب خصومه، المناورة السياسية والمراوغة، ويستخدم اليمين المتطرف في المرحلة الراهنة وسيلةً لتعزيز فرص بقائه في السلطة، بعدما ابتعد عنه عدد من الذين عملوا معه سابقًا. ومع ذلك، فإنه يظل منفتحًا على أي صيغة ائتلافية تضمن استمراره في منصب رئيس الوزراء.

وقد استشعر إيتمار بن غفير هذا الاحتمال مبكرًا، فبدأ بمهاجمة نتنياهو ومعسكر الليكود، متهمًا إياهما بالتخلي عنه بعدما انتهت صلاحيته السياسية بالنسبة إليهما.

لكن ماذا لو خسر نتنياهو؟ تشير مؤشرات استطلاعات الرأي إلى أن فرص خسارته باتت موضعًا جديًا للنقاش، وربما تفسر هذه النتائج حالة الارتباك التي تبدو في توزيع الاتهامات على مختلف المسؤولين الإسرائيليين، في محاولة للتنصل من المسؤولية عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بإسرائيل، سواء على مستوى التعامل مع التهديدات أو إدارة العمليات العسكرية.

وإذا خسر نتنياهو بالفعل، فإن مشروع الإصلاحات القضائية التي سعى إلى تمريرها، والتي يرى خصومه أنها استهدفت تقويض استقلال القضاء وتخفيف الضغوط القانونية عنه، قد يفقد زخمه السياسي، بما يفتح الباب أمام مراجعة مساره أو تجميده. كذلك، سيُعاد فتح ملف هجمات السابع من أكتوبر في إطار لجنة تحقيق رسمية على غرار لجنة «فينوغراد»، التي تقصت الحقائق وحددت أوجه القصور والمسؤوليات عقب حرب لبنان الثانية عام 2006.

وقد يعني ذلك العودة إلى محاضر الاجتماعات العسكرية والأمنية الأصلية، والتحقيق في ما أثير بشأن التعديلات التي أُدخلت على بعض المحاضر مؤخرًا، فضلًا عن فحص التحذيرات المتتالية التي وجهتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ومدى علم نتنياهو بها وكيفية تعامله معها.

ومن شأن خروج نتنياهو من السلطة أن يخفف نسبيًا الضغوط التي تعرض لها قضاة المحكمة التي تنظر في الاتهامات الموجهة إليه، لا سيما في ظل ما تعرضوا له، خلال الفترة الماضية، من حملات ترهيب وضغوط من جانب وزراء وأعضاء في الكنيست. وعلى المستوى الدولي، ألحق ائتلاف نتنياهو أضرارًا كبيرة بصورة إسرائيل وسمعتها، إذ أسهمت سياساته في تعميق الانتقادات الموجهة إلى نظامها السياسي، وتعزيز الانطباعات بشأن تغليب مصالح القيادة والائتلاف الحاكم على مصالح الدولة ومؤسساتها. وفي هذا السياق، باتت إسرائيل، في عهد نتنياهو، عرضة لتوصيفات سياسية حادة، من بينها وصفها بأنها نظام أوليغارشي أو «جمهورية موز»، في إشارة إلى ما يراه منتقدوه من تركيز للسلطة وتراجع لدور المؤسسات.

لذلك، لا ينبغي للمعارضة الإسرائيلية أن تكتفي بانتظار خسارة نتنياهو في الانتخابات، أو أن تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره نتيجة ستتحقق تلقائيًا، بل يتعين عليها العمل على تحقيق هزيمة انتخابية واضحة تحرمه من فرص المناورة والعودة إلى رئاسة الحكومة. فالهزيمة المحدودة التي تترك له مجالًا لإعادة ترتيب تحالفاته قد تمنحه فرصة جديدة للمناورة السياسية والائتلافية، وتُبقيه حاضرًا في المشهد الإسرائيلي.

وهذا ما يدركه نتنياهو جيدًا؛ إذ يبدو، في نظر خصومه، مستعدًا للمضي في سياسات قد تلحق مزيدًا من الضرر بإسرائيل، ما دام ذلك يتيح له تأجيل المحاسبة التي تلاحقه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز