البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
هل جربت تطويع الواقع بما يحمله من رتابة وملل وتباطؤ، وفق رؤية فنية مختلفة، بل وإعادة صياغته وتقديمه بأسلوب فنى ممتع ومثير للانتباه والاهتمام، هذا ما فعله ألفونسو كوارون فى أيقونته الأخيرة الرائعة "روما"، خصوصًا أنه أخذ من الأحداث البسيطة بذرة لبنائه الدرامى، بل واستثمره وطوره وفق المقومات الأساسية للعمل الفنى السينمائى، مؤسسًا عملًا استثنائيا مبنى على أقصوصات يومية تقليدية لتفاصيل الحياة البسيطة.

بالتالى نحن فى فيلم روما أمام عمل درامى متعددة الطوابق، السطحى منه هو الجانب الشخص، والأهم هو ما مر به من أحداث سياسية جعلته أكثر عمقًا.

لذلك احتفى عاشقو السينما فى أنحاء المعمورة بفوز فيلم "روما" بجائزتى أحسن مخرج وأحسن فيلم أجنبى ضمن فاعليات الجولدن جلوب ومن المنتظر أن يكون له نصيبه كبير فى جوائز "البافتا" والأوسكار.

وفى الواقع أننى منذ شاهدت "روما" ضمن فاعليات مهرجان القاهرة السينمائى الأربعون، وأنا أشعر أننى أمام تجربة مختلفة تمامًا للمخرج ألفونسو كوارون الذى أبهرنى من قبل بأفلامه هارى بوتر وسجين و فيلم جاذبية والذى حصل به على الأوسكار.

بالطبع ألفونسو كوارون تنال معظم أعماله التقدير والإشادة من قبل النقاد والجمهور على حدٍ سواء، ولكن أنت فى هذا العمل أمام فيلم قائم على سيرة ذاتية لطفولة المخرج المكسيكى وتم تصويره بالأبيض والأسود، ليعود ألفونسو كوارون الى ذكرياته عن نشأته فى مكسيكو سيتى فى أوائل السبعينيات.

ومع أن الأبداع مقترن دائما بالحرية، لكن حين يكون السينمائى بصدد تقديم عمل ينتمى إلى أفلام السير الذاتية، فإنّ أول ما يقوم به هو التخلى عن تلك الحرية، واضعًا سقفًا لخياله وطاقاته الإبداعية.

فيلم روما بفضل الحساسية الشديدة الاستثنائية لحياة ألفونسو كوارون، يعد ذاكرة لجمال غير عادى يدفع إلى الأمام فيما أعتدنا أن يبقى عادة فى الخلف، على خلاف صُنّاع الفئات الأخرى من الأفلام.

وركز فيلم روما على إنشاء حى مكسيكو سيتى الفكرى فى الفترة بين عامى 1970 و1971، مثل بعض أفلام السيرة الذاتية المنطلقة من الخاص إلى العام، ولكنه هنا يركز على جدلية فلسفة الاختيار من خلال المواقف الإنسانية التى تمر بها بطلتى الفيلم الأم والخادمة.

ولأن المخرج فى العقد الخامس من عمره فلديه قدرة خاصة على طرح رؤيته عن عالم طفولته الداخلى بكل ما توحى من انفعالات عاطفية، بمنظور شخصى متورط أحيانًا فى شخصنة الأمور، وفى أحيان عديدة تجاوزها إلى رؤية عامة للمحيط العالق به ليتم التأكيد مرارًا وتكرارًا على النقاط المتقاربة للمراقبة عن قرب من خلال عمليات الاستعراض البصرى على مستوى الشارع إلى الطائرات النفاثة التى تحلق فوق المدينة بشكل كبير، مما يخلق قوة دفع بين الحياة السريعة اللاهثة والحياة الهادئة.

وينقلنا الفونسو الى ذكريات مجزرة كوربوس كريستى "جسد المسيح" المرعبة والتى حدثت فى الشارع الرئيسى فى الحى، وهى ذكرى بشعة أسقطت فيه القوات شبه العسكرية ما يقرب من 120 شخصًا.

فيلم "روما" فاز بجائزة الأسد الذهبى فى مهرجان البندقية السينمائى ولعلها كانت خطوة ناجحة نحو نجاحات أكثر بنيت على تدفق إبداعى وإنسانى للمخرج، وخصوصًا أننا أمام عمل مختلف لا يعتمد على إبهار الخيال العلمى كما فيلمه "الجاذبية"، ولا على الإبهار بما يشبه الأساطير كما فى هارى بوتر.

وبقدرة ألفونسو كوارون على التعبير عن الرؤية الفنية لما يريد قوله، جعلنا جميعًا نؤمن بما أختتم به فيلمه وهو أهمية حريتك وانتزاعها من براثن الوهم وخصوصًا العاطفى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز