حنان أبو الضياء
فى الأيام الماضية أضأت جزوة من الإبداع أفئدة المصريين، وسيطرت على قلوب وعقول الجيل القادم الذى لم يعرف حرب أكتوبر، ولم يسمع عن حرب الاستنزاف، وجاء هذا بعد عرض فيلم "الممر".
ولأن إسرائيل والصهيونية العالمية يعرفون أهمية تلك القوى الناعمة، لذلك لم يكن غريبًا هذا الاحتفاء بالمسلسل التلفزيونى The Spy، المستند إلى سيرة جاسوس الموساد الإسرائيلى إيلى كوهين، الذى تمكن من اختراق الحكومة السورية فى ستينيات القرن الماضى قبل أن يتم إعدامه.
ورغم أن أرملة الجاسوس الإسرائيلى، أحست أن مشاعرها جرحت لأن أجزاء من المسلسل كانت لا علاقة لها بالحقيقة، ولكنها اعتبرت أن الاهتمام المتجدد بزوجها بعد أكثر من نصف قرن مفيد للغاية، وأن أسرتها ستشعر بهذا الغضب لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع وبعد ذلك ستراه كشئ أحيا إيلى، وأعطاه روحًا حتى يعيش مجددًا بين الأمة الإسرائيلية.
الأعجب أن أرملة كوهين، كل أزمتها تكمن فى أن مسلسل The Spy، كان يمكن أن يكون مسلسلاً تعليميًا صهيونيًا عظيمًا عن البلد والتضحية، بينما نجد أن الهجوم على فيلم الممر، من البعض كان على النقيض تمامًا ودخل فى تفاصيل بعيدة تمامًا عن الرغبة فى إظهار عظمة مصر وتضحيات جيشها.
بل شن الإخوان، هجومًا ضاريًا عليه خوفًا من التفاف المصريين حول جيشهم.
ولأن الإخوان تنظيم إرهابى عالمى ممتدد فى ربوع الأرض، ويعمل ضمن أجندة واحدة، لذلك نجد أن المغاربة العلمانيين، وليس الإخوان منهم هم المعترضين على تصوير المسلسل فى الأراضى المغربية، ويرونه نوع من أنواع التطبيع مع إسرائيل، بما يناقض موقف المغرب من القضية الفلسطينية، بينما الإخوان المغاربة أصابهم داء السكات، المصابون به أمام كل ما هو صهيونى، ولما لا وهم صهاينة العرب المتأسلمين!.
والغريب أن الصهاينة يهدفون من خلال "The Spy" الحصول على تعاطف دولى لاستعادة رفات الجاسوس من سوريا.
وتسعى إسرائيل إلى استعادة رفات كوهين، من أجل دفنه فى إسرائيل، رغم أنها لا تزال فى حالة حرب مع سوريا، ففى العام الماضى أعلن الموساد استعادت ساعة إيلى كوهين، كجزء من البحث عن جثته، وأقامت إسرائيل لذلك احتفالًا كبيرًا.
يعتبر كوهين، فى إسرائيل بطلاً لأهمية المعلومات التى قدمها وساعدت فى احتلال الجولان عام 1967، بل أن الحكومة الإسرائيلية حاولت المستحيل لإنقاذ كوهين من الإعدام، لكنها فشلت وتم إعدامه فى 18 مايو 1965 فى ساحة المرجة فى دمشق.
وتتغنى إسرائيل بكوهين، هذا الجاسوس المولود فى مصر، وشحذت من أجله أموال الصهاينة فى العالم بإنتاج فرنسى، واختارت لدوره أحد نجومها الممثل ساشا بارون، وقدمته للعالم فى صورة المهاجر الطموح الذى تحالف مع الموساد من أجل وطنه، والذى تغلب على مخاوفه ليتسلل إلى القيادة العليا فى دمشق باعتباره سليلاً غنيًا من الشتات السورى.
الطريف أن الصهاينة يحاولون تقديم النموذج الصهيونى للبطل المصرى رفعت الجمال، لا سيما أن مسلسل رأفت الهجان، الذى قدم بطولته حُفظ عن ظهر قلب من شعوب الأمة العربية، وما زال يحظى بنسبة مشاهدة عالية إلى الآن.
لذلك يظهرون كوهين، وهو يقوم بمهمة تجسس طويلة محفوفة بالمخاطر، مقدمًا الأموال والاهتمام بسخاء لمصادر سورية محتملة، بل ويقيم حفلة صاخبة نظمها فى شقته الفخمة فى دمشق لخداع جنرال عسكرى بارز، ويحاول كسب ود ابنة مصدر سورى رئيسى، حتى خدع الرئيس السورى الراحل أمين الحافظ، لدرجة أنه فكر فى تعيينه فى منصب نائب رئيس الوزراء.
ولا مانع أن يكون ساحرًا ولا يقاوم كما ظهر رأفت الهجان، بل ويركزون على أنه "كان مخلصًا".
وفى الحقيقة فالشعوب لا تنسى، والإبداع هو ذاكرتها، ونحن فى حاجة إلى مئات الأفلام مثل الممر، والذى أحيا ذكرى أبطالنا بأعمال مثل رأفت الهجان.
إننا فى مواجهة حقيقية قوامها "جاسوسهم.. أبطالنا".