حنان أبو الضياء
حياته كانت فيضًا من الذكريات لا تصب فى بحر النسيان، فهو دومًا يكتب عن والديه وينسى ما يكتبه، ربما لأن الموت كان هو الحقيقة الراسخة التى تعرف عليها منذ طفولته.
كأنه ولد للموت، وعاش للرحيل.. لم يأت الموت إليه مُتأخرًا أبدًا، بل كخبز يومه، ووصية الراحلين هى مرآة حياته، وكان يعلم أن من أبدع فى حياته يموت مُبتسمًا، وأن الإنسان ينتهى ويبقى اسمه، وعلمته الحياة أن شيئين لا تستطيع النظر إليهما "الشمس والموت".
ولأن لا يوجد دواء للموت، فربما يكون سر رحيله هو الدواء، كم كان نقيًا ضيفنا على الدنيا، وكأن حياته حلمًا أوقظه منه الموت.. كان لا يعلم ما هى الحياة، لكن يعرف ما هو الموت، ودائمًا كان الموت بالنسبة له يصنع شيئًا لوقف مد الحياة..
صادق الحزن.. فكان بالنسبة له ابتسامة فى عيون دامعة، كان يعشق الصبر الحزين الذى لا يعرف لليأس مكان، وكانت سعادته بتذكر أيام السرور والهناء عندما يكون فى أشد حالات التعاسة والشقاء، إنه الملىء بالشجون التى تُنقى النفس وتصقلها وتخلصها من ألامها.
كان مثل مالك الحزين.. الطائر الذى يُغنى أجمل ألحانه وهو ينزف، ويبدو أن معادلة الفرح والبهجة لديه تفقد معناها إن لم يتم موازنتها بالحزن، وكان يفضل الصمت دائمًا ربما لأنه صورة مشوشة للموت.
كان يخشى الوحدة، لكنه يعيشها، وكان يتمنى صحبة من يعرفون أسرارها، وإلا كان يفضلها على الجميع، خصوصًا عندما يُصبح وجعُك عصى الفهم حتى على أقرب أصدقائك .
وحدته لم تكن فرضًا لكنها أسلوب حياة.. العمق الأخير للشرط الإنسانى، لأن وحدته كالخلوة تعنى أن تكون وحدك من دون أن تشعر أنك وحيدًا.
حياته أشبه بالعلب الصينية..علبة داخل علبة وتتضاءل العلب حجمًا، إلى أن تبلغ العلبة الصغرى فى القلب وبداخلها يسكن أحمد ذكى وهالة فؤاد.