حنان أبو الضياء
عارف الحقيقة المجردة التى أنقذته من جهل مدعى المعرفة، المالك بين جنبات صدره ميزان حساس للتفريق بين الثبات على الرأى أو الرجوع إلى ما هو خير منه.
صاحب الفضيلة الكبرى فى اكتشاف الناجحين، المتصرف دوما بعفوية وبساطة، بعيدا عن مكياج الأهمية الكاذب، والادعاء، والتصنع، وربما الشعور المبتذل بالعظمة!
اللين فى أسلوب التعامل مع العاملين معه يعد قوة رائعة أقوى من القوة نفسها، لأنه يظهر لهم النموذج القدوة الذى سيحتذى به الجمبع بعد أن فارقنا يوسف شريف رزق الله جسدا، ولكن سيظل معنا بكل هذا الصدق، والإخلاص، البساطة، والتواضع، والكرم، وغياب الغرور، والقدرة على خدمة الآخرين، وهى الأسس الحقيقية لروح وشخصية يوسف شريف رزق الله.
فى الحقيقة إن من اقترب منه يعلم أنه من أكثر الشخصيات تصالحا مع الذات بما يعنيه هذا من تقبل الآخر بكل اختلافاته وتناقضاته، ليس لأنك تحبه، ولكن لأنك، ببساطة، لا تكرهه.
قد يستغرب البعض كيف استطاع يوسف شريف رزق الله أن يجعل كل من حوله يحبه ويحترمه، الجواب ببساطة هو أن أنه تجاوز نفسه ليتصالح مع الكون كله، ومع الوجود، فاتسع قلبه لكل المعتقدات، ولكل الأشكال، ولكل الألوان، فأصبح قدوة تمشى على الأرض.
يوسف شريف رزق الله تعامل مع الجميع دون أن يفرض عليهم قوانينه أو معتقداته أو تعاليمه، وكانت ثقافته السينمائية لنا جميعا كميزان حساس للدخول إلى المعرفة والإبداع الفنى بالتفكير المتجرد والذى يبدأ بكلمة "شاهد"، لتتعرف إلى جوهر الإبداع، لتعرف أن السينما هى ذاكرة التاريخ بكل ما فيه من نجاحات وإخفاقات، وعنف، ورحمة.
يوسف شريف رزق الله الرافض لفكرة التعميم، ويعارض فكرة الشمولية فى الرؤية السينمائية، فالتعميم يلغى خصائص الأشياء ويمحق صفات الإبداع المتباينة، ليحيل الفن إلى قالب واحد، أشبه بالحجر فى قسوته، وأقرب إلى الفخار فى هشاشته.
إنه المنادى دوما بأن يكون الاختلاف حول أى فيلم هو وسيلة للاستمتاع بالحوار، وهذا ما عشته معه بين الحين والآخر أثناء مشاركتى فى لجنة مشاهدة مهرجان القاهرة السينمائى لأربع سنوات متواصلة.
يوسف شريف رزق الله الذى عرفته عن قرب ينصت كثيرا، ليفهم أكثر، ينصت للأفكار التى يبثها من حوله، ويناقش الأفكار بوعى المثقف الموسوعى المتمكن من اللغة العربية تمكنه من اللغة الإنجليزية والفرنسية وكأنه علامة فى النحو والبلاغة والصرف والإنشاء وغيرها، وكأنه المتخصص فى كل علم على حدة.
إنه صاحب المكتبة الضخمة، ولم لا وهو من أعطى المعرفة حقها ومساحتها من الاهتمام، وتعجب بقدرته على القراءة والبحث فى السنوات الأخيرة رغم مرضه الشديد، من هذه الزاوية كنت أرى أن الرغبة لديه فى الحياة تكمن فى استمراره فى متابعة الإبداع والسعى إليه بما يملك من المهارة، والموهبة فى الفهم والاستيعاب، إضافة إلى إجادة اللغات المتعددة التى تجعلك أقرب لما يريد قوله مبدعى العالم.
وفى الحقيقة كنت أرى السينما بالنسبة ليوسف شريف رزق الله مكملا غذائيا لا يمكن الاستغناء عنه، والقوة اللازمة للانطلاق والاستمرار فى الحياة، ولأن لكل مجتهد نصيبه من الثقافة والعلم والأدب الذى ينشده فإن يوسف أصبح لجيله والأجيال المتتالية أيقونة سينمائية مميزة، بما اقترن به من الإنسانية وسهولة التعامل معه، وما أتاحه للجميع من خبراته.
فى السنوات الأخيرة من حياته كان الاقتراب من الموت يدفعه ليكون أكثر جرأة فى مواجهة الحياة، الموت استنهض صور الحياة بداخله، وحياة يوسف ليست بضخامة الأرقام بها ولكن بالباقى منها بعد الجمع والطرح، وحياته لم تقاس بطول السنين بل بعرض الأحداث بها، وما لديه من قوى المقاومة الزاخرة الطافرة الغامرة.
إنه فى النهاية يوسف شريف رزق الله الذى حفر فى ذكراتنا أنه اسم على مسمى فهو صاحب الوجه البشوش الجميل دوما، الشريف فى تعاملته الإنسانية، المرزق من الله بحب الجميع.. فى النهاية الموت لا يغيب العظماء فأنت باقى بيننا أيه المعلم الفنان.