أحمد الطاهرى
فى حين أن تدبر المشهد بتمعن يذهب إلى الصفقة المنتظرة بعد انتهاء حالة "الهياج" الإيرانى الذى يسعى لانتقام يحفظ له مصداقيته الداخلية بين الجهور المعبأ، لاسيما بعد إخراج الحادث من سياق التطاحن الأمريكى الإيرانى المستمر منذ عام 1979 ووضعه فى سياق الحرب الدينية.
وسط الكثير من التصريحات والبيانات الدبلوماسية علينا أن نتوقف أمام عدد من المعطيات، أولا أن إيران لا تريد حرب ولكن تريد انتقام، وفى المقابل كانت رسالة الولايات المتحدة أنها لا تريد حرب ولكن إذا حدث انتقام سيكون العمق الإيرانى هو الهدف.
ثانيا أن مساحة الوقت هى كل ما يريده دونالد ترامب ليجعل واقع مقتل سليمانى مترسخا بلا أى أحداث متلاحقة، بمعنى أنه يريده زلزالا بلا توابع يحدث ما يريده من تصدع وشروخ فى الجدار الإيرانى بلا انهيار أو أنقاض.
ولعل من أبرز ما أظهرته الأيام الماضية هو النقاش البحثى الذى استضافته واشنطن فى إبريل من العام الماضى، وكان يدور بالتحديد حول إخراج قاسم سليمانى من المعادلة ! مع تقديم عدد من التوصيات لصانع القرار الأمريكى، مؤكدا أنه لم يكن بينها القتل، ولكن كانت محصلة رؤى المختصين والأكاديميين، أنه حان الوقت لكى تلتزم إيران حدودها بلا تمدد، وهذا هو الهدف الحقيقى من قتل سليمانى، وهو حال لا يختلف كثيرا عن حال كوبا بعد التخلص من جيفارا، بقيت كوبا داخل حدودها حتى ولو عاش كاسترو ألف عام، والتشبيه هنا فى حالة التمدد خارج الحدود وليس تشبيها بين جيفارا وسليمانى فالبون بينهما عميق.
ثالثا، أن أكثر الأدوار الدبلوماسية نشاطا فى هذا الملف خلال الساعات الماضية كانت من نصيب سلطنة عمان وسويسرا، وهما أفضل من يتوسط فى التوصل إلى صفقة جديدة بشروط جديدة.
إن الصدمة الإيرانية هى صدمة لاعب شطرنج لم يتوقع من خصمه أكبر قدر من المغامرة، فوضع أمامه أكبر القطع تأثيرا، ولم يحسب حساب خسارتها التى قد تغير قواعد اللعب .
هذه الصدمة تنسحب على طبيعة أدوار سليمانى وهى معطلة الآن بقتله، كل ردود الأفعال من أدوات إيران الإقليمية لم تتعد صراخ العاجز وعويل من فقد الحيلة، وإن ذهب خليفته لنمط سلفه فإن أمامه عملية ترتيب أوراق وعمل استخباراتى وأمنى لكى ينظم عملية انتقام مناسبة، وهنا يكون قد مر الوقت المناسب لترسيخ البعد النفسى لقتل سليمانى، وقد يتم مداهمة إيران بعملية أخرى لاسيما وأن العمليات النوعية الأمريكية فى العراق تستهدف كل رجال إيران ولن تتوقف.
باختصار بدا منهج ترامب واضحا أنه لن يقبل أن تكون إيران هى الفاعل المحورى على الأرض فى العراق، وأن تكون واشنطن معلق على الحدث ولو كلفه الأمر إعادة تغيير كل المعادلات على الأرض.
إن دولاب الدبلوماسية العمانية يتخطى دوره فى المرحلة الحالية، دور حامل الرسائل للتوصل إلى تهدئة ولكن إلى صفقة عبر عنها ترامب بوضوح برسائل إلى إيران بأنها لا يمكن أن تكسب حرب ولكنها لا تخسر فى تفاوض وأنها لن تكون دولة نووية، إذا كان هذا هو العرض الأمريكى فما هى المطالب الإيرانية؟
فى الإطار نفسه كان من الملفت للانتباه ما وصلت إليه الشيزوفرينيا التركية التى بلغت مداها فى التفاعل مع الحادث، إذ اصطف أردوغان إلى الجانب الإيرانى علما بأن الحرب فى سوريا كانت وما زالت دائرة بين الطرفين، ولكن يبدو أنها ترتيبات خط غاز "ترك ستريم" قد فرضت نفسها على البراجماتية التركية المنفلته، لاسيما وأنه بالأمس أعلنت شركة "غاز بلغاريا"، أن روسيا بدأت شحن الغاز إلى أوروبا عبر خط الأنابيب الجديد "ترك ستريم" الممتد إلى تركيا.. ربما.