البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
الجميع يضع يده على قلبه فى ظل ظهور شخصيات على الساحة تملك قدرا من جنون العظمة، وعلى رأسها المدعو أردوغان، ذلك الفاشيست، ولقد كان رائعا أن أرى رسما دقيقا له من خلال مادلين أولبرايت فى كتابها الأخير "الفاشية - تحذير".

الرائع أنها تستخدم التاريخ لرسم التحليلات والاتجاهات حول كيفية تأصيل الفاشية فى بلد ما ومن خلال شخصيات تبطن غير ما تظهر.

مادلين أولبرايت فى كتابها السادس بعدما أنهت فترة ولايتها كوزير للخارجية فى إدارة كلينتون فى عام 2001 تحاول دق ناقوس الخطر وهى ترى العالم يقترب بجنون نحو فاشية جديدة.

بالطبع ليست مادلين أولبرايت القديسة الصادقة فى تحذيرها، فهى عندما سُئلت هل تعتقدين أن دونالد ترامب فاشى؟ كان جوابها "لا"، ولكنه غير ديمقراطى.

أولبرايت ترى أن الموجة الأخيرة من الاستبداد فى العالم تذكرنا بأوروبا قبل الحرب العالمية الثانية.

تشير إلى شخصيات معروفة من الأمس واليوم كموسولينى، هتلر، ستالين، أوربان، ميلوسيفيتش، شافيز، كيم جونج إيل، بوتين وأردوغان، وجميعهم لهم فصولهم الخاصة فى الكتاب.

بالطبع كان لها فيه شغفها الخاص كضحية للفاشية، والتى عاشتها بكل قسوتها كطفلة صغيرة فى موطنها الأصلى تشيكوسلوفاكيا، وواجهت فى البداية الغزو النازى والانقلاب الشيوعى.

الكتاب يحوى تاريخًا مكتوبًا بأسلوب سهل القراءة، ملىء بتفاصيل مذهلة من الأحداث والحكايات والاقتباسات.

وأهم ما فيه أنه لا يقدم التاريخ من أجل التاريخ، بل ترسم أولبرايت صورة مفصلة للفلسفة الكامنة وراء الفاشية، والشروط المسبقة التى سهّلت صعودها والأساليب المستخدمة من قبل الفاشيين.

الأخطر أنها ترى أن أعمال الفلاسفة مثل مالتوس وجالتون وداروين ونيتشه وفرويد عن واقع الحياة التقليدية وتقبلها باعتبارها صراعًا دائمًا للتكيف مع مساحة صغيرة للتعبير عن المشاعر، شكلت العمود الفقرى للفكر الفاشي، فالغضب والخوف الناجم عن الاستياء العام والمظالم، سواء كانت حقيقية أو نسبية، هى القوة الرئيسية وراء تلك الإيديولوجية.

المثير للقلق أن هناك موضوعات مشتركة من الفاشية فى أوائل القرن العشرين ومانراه الآن من وعود بكل شىء لجمهور غير راضٍ على نطاق واسع، واستخدام آلة دعاية فعالة للغاية للقضاء على كل المعارضة، وتلك المعارضة بمجرد وصولها إلى السلطة على الرغم من الدعم لها تتحول الى أداة خراب وهو صورة طبق الأصل لما كان مع موسولينى وهتلر، والآن أردوغان، مستخدمًا جهاز الدولة لإسكات المعارضة وتسميم العقول بأيديولوجية قاسية، منها ما هو سياسى أو دينى.

أولبرايت تقدم نظرة ثاقبة استثنائية فى سيكولوجية الفاشية، وتقديمها كجزء من الإنسانية وليس استثناءً، خاصة العزف على الاعتقاد بأن الآخرين يعاملون بشكل أفضل مما يستحقون وأن الشخص الآخر لا يحصل على ما هو مستحق له، يفتح الأبواب أمام الفاشية.

وتشير إلى أنه حتى الأشخاص الذين شاركوا فى مثل هذه الحركات بدافع الطموح أو الجشع أو الكراهية ربما كانوا إما غير مدركين لدوافعهم الحقيقية أو حرموا منها.

فى غياب آلية فعالة لتخفيف الغضب، يتم استغلال السخط الاقتصادى والاجتماعى من قبل زعيم يقدم جوائز تبدو وكأنها تستحق التخلى عن الحريات الديمقراطية.

فكرة أننا جميعًا متساوون فى الخلق هى الترياق الوحيد الأكثر فاعلية للتخدر المتمحور حول الذات والذى يسمح للفاشية بالنمو، فاحترام حقوق الآخرين مبدأ نبيل، ولكن الحسد هو الحافز البدائى للفاشية.

تضم الفصول المكرسة للطغاة فى العصر الحديث، أسماء شافيز وأردوغان وكيم جونج إيل، بل وتقدم تحليلًا تاريخيًا ثاقبًا عن سبب تمكن الفاشية من الازدهار فى تلك البلدان.

كيف تم قبول كل هؤلاء القادة كمصلحين، كما كانوا يدعون لتوفير الإغاثة الاقتصادية أو الاجتماعية فى البداية، ثم استسلموا للاتجاهات الاستبدادية، مع مرور الوقت وربطوا مستقبلهم القاتم مع بلدهم.

والسؤال الآن إذا كانت الفاشية فى إيطاليا وألمانيا انهارت، وأصبح الرجل الذى كان يعتبر تجسيدا للأمة هدفا لإطلاق النار، فهل يحدث هذا مع فاشى العصر الحديث أمثال أردوغان! .

إذا كانت الأيديولوجيات المتناقضة لها قواسم مشتركة، أكثر مما قد يتصور المرء والديكتاتورية بأى اسم آخر لا تزال ديكتاتورية فالأمل أن النهايات ستكون واحدة.. بركاتك ياست يا مادلين أولبرايت !

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز