البث المباشر الراديو 9090
ماجدة محمود
فى الـ 8 من مارس عام 2014، تلقيت دعوة من سلوى قادر، رئيس الهيئة العالمية للسلام والتنمية المستدامة بالأمم المتحدة، للمشاركة فى منتدى "عرض تجارب الدول النامية فى تعليم البنات"، للتحدث عن التجربة المصرية فى تعليم الفتيات على هامش احتفالات الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمى بنيويورك.

كنت واحدة بين 5 سيدات عرضن تجارب بلادهن داخل مقر الأمم المتحدة، وكم كان فخرى وبلدى فى مقدمة الدول التى اهتمت بتعليم الفتيات.. كيف ومتى؟

الحكاية تعود إلى عام 1872، عندما صدر كتاب العلامة رفاعة رافع الطهطاوى:"المرشد الأمين للبنات والبنين"، الذى طرح فيه قضية تعليم الفتاة، وتمضى القرون، وتتبنى الأمم المتحدة فى اجتماع الألفية، سنة 2000، مجموعة من الأهداف الإنمائية فى مقدمتها تعليم الفتيات، مطالبه الدول الأعضاء بتنفيذها قبل نهاية عام 2015.

مصر كانت سباقة فى إطلاق هذا الهدف، وعملت على تحققه بكل السبل، رغم العادات والتقاليد البالية التى كانت تقف عائقًا أمام تعليم الإناث، ودفع إيمان إحدى سيدات الطبقة الحاكمة ـ شهرت فزا هانم ـ إحدى زوجات الخديوى إسماعيل، بأهمية تعليم البنات، إلى إنشاء أول مدرسة حكومية، هى مدرسة "السيوفية" عام 1873، والتى وصل عدد طالباتها بعد 6 أشهر من افتتاحها، إلى 286 طالبة، وهكذا بدأت عملية التنوير الفعلى للفتيات، على يد إحدى بنات جنسها.

وعلى درب الأم سارت الابنة فاطمة إسماعيل، حيث تبرعت بأرض تمتلكها، ووهبت مجوهراتها الثمينة لإقامة أول جامعة أهلية عام 1928، تعرف الآن بجامعة القاهرة، وهى من أعرق الجامعات بالوطن العربى، والتى شهدت توافد الطالبات على كلياتها ومدرجاتها فى مشهد من بواكير عصر النهضة النسائية، لتعم فكرة تعليم البنات المدن والقرى المصرية، وتسجلها أفلام سينمائية راقية بعد ذلك، مثل الأفوكاتو مديحة، والأستاذة فاطمة، وغيرها، لتبرهن على حق الفتاة فى التعليم، على قدم المساواة مثلها مثل الرجل.

وتستمر المسيرة وتقر دساتير مصر جميعًا هذا الحق، وتنطلق الفتاة المصرية باحثة، وعالمة، وأديبة، وقاضية،وسفيرة، ووزيرة، وفى مجالات كثيرة يصعب سردها.

ورغم التحديات والظروف الإنتقالية للوطن فى بعض الأوقات، وآخرها ما حدث فى العامين 2011،2012، إلا أن ثورة 30 يونيو أعادت للمرأة حقها الضائع فى دستور 2012، وأقرت صراحة فى دستور 2013، على حقها فى التعليم.

وكذلك أكدت على حقها فى المساواة فى المادة ١١ من دستور 2014، مع التزام  الدولة المصرية بالاتفاقات الدولية، من منطلق إيمانها بأن تعزيز تعليم الفتيات يؤدى إلى ارتفاع أجور النساء، الذى يقود إلى نمو اقتصادى يحد من فقر العائلات.

وبرغم تراجع نسبة الأمية إلى 25 %، إلا أنه يوجد عقول لا ترى نفعًا فى تعليم الفتيات، وتعتقد أن دورها لم يتعد كونها زوجة، وأم تابعة للرجل يساندها بعض التفسيرات الدينية المغلوطة، ما أدى إلى انتشار زواج القاصرات، الذى تحاربه الدولة.

وهذه واحدة من التحديات التى تحاول الدولة مواجهاتها، وتقديم الحلول لها تارة بالقوانين، وتارة أخرى بالوعى، من خلال التعاون مع المجلس القومى للمرأة والأمومة والطفولة والمجتمع المدنى، لاختراق هذا الحصار المفروض حول المرأة بسياج من حديد، عن طريق الرائدات الريفيات، ومدارس الفصل الواحد، والمدارس الصديقة للبئية، وكلها مشروعات تحاول كسر الحظر المفروض على النساء.

ولعل أيضاً إطلاق المشروعات التنموية التى تتكسب منها الفتيات، تعد خطوة أساسية وأولية للدفع بهن إلى دوائر التعليم بكل مستوياتها، والتى حققت بشكل كبير نتائج مرضية فى مواجهة مشكلة التسرب من التعليم والزواج المبكر، نتيجة لاستقلالها المادى، واعتمادها على نفسها.

ولا يفوتنى هنا أن أشير إلى أنه رغم الظروف الاقتصادية القاسية التى تمر بها مصر، إلا أن معدل التعليم الأساسى للإناث ارتفع لـ 95%، وهو مؤشر يدلل على الاهتمام بالمرأة التى تشكل حالة سياسية، وثورية، قوية.

أعود إلى حيث بدأت مقالى.. لماذا الحديث عن التجربة المصرية فى التعليم الآن؟ والإجابة ببساطة، أن لجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة ـ وهى تحتفى هذا العام بمرور 20 عامًا على أهداف الإنمائية المعنية بالتعليم، 5 سنوات على إعلان أهداف التنمية المستدامة، التى يأتى فى مقدمتها القضاء على الفقر، والجوع، والاهتمام بالتعليم والصحة ـ انطلاقًا من مبدأ المساواة بين الجنسين، أعدت العدة لمتابعة ما تم إنجازه فى كل دول العالم، وخاصة الدول النامية؛ لتقف على ما تحقق للمرأة وما يواجهها من تحديات تحول دون تحقيق المساواة الكاملة من خلال حقوقها التى أقرتها المواثيق الدولية، وقوانين بلادها.

وهنا أؤكد أن ما تحقق للمرأة المصرية يدعونا للفخر، فقط يتبقى المزيد من تفعيل القوانين التى تحميها، وزيادة الوعى، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز