البث المباشر الراديو 9090
ماجدة محمود
فى بلدى.. الرحمة والتكافل الاجتماعى من دعائم العمل فى جميع المجالات، وهذا أمر أفتخر به وكم من أُناس طافوا بمصر ونالوا نصيبا من هذه الصفات، والأمثلة كثيرة، أذكر منها فى سياق هذا المقال مثالا حيا لما أقول، لكن دعونى أشير أولا إلى أنه فى يناير 2019 م، عقدت منظمة الصحة العالمية اجتماعًا قدم فيه المدير العام للمنظمة الدكتور تيدروس أدهان اقتراحًا رسميًا بإعلان عام 2020 سنة الممرضة والقابلة.

وقال أدهان، إن الممرضات "جسر" الرعاية الصحية وهو أهم صلة بين السكان ونظام رعاية معقد، ومؤكدا أن الممرضات فى "الخطوط الأمامية" لتوفير الرعاية الطبية لدورهن الهام فى تعزيز دور الرعاية التمريضية، أثناء تقدم عمل المنظمة إلى الأمام، وفى نهاية حديثه أوضح  أن اختيار عام 2020 م عاما للممرضة يتزامن والذكرى المئوية الثانية لفلورنس نايتنجيل؛ تقديرا لعطائها فى هذا المجال الذى بدأت العمل به طواعية متحدية كل الظروف.

ولكن قبل أن نتحدث عن فلورانس، دعونا نقول إن الأم أول من عملت بالتمريض، فهى من تسهر وترعى الوليد وتمرضه وتعرف تماما علته، كما تعتنى بكل أفراد العائلة مؤدية نفس الدور، وشهد كل من العصر الفرعونى والمسيحى والإسلامى ممارسة النساء لهذة المهنة النبيلة.

أما فلورانس نايتينجيل مؤسسة مهنة التمريض التى يحتفى بذكرى وفاتها، فقد ولدت فى بلدة فلورنسا بإيطاليا  عام 1820م لعائلة بريطانية غنية تؤمن بتعليم المرأة، فدرست بالمنزل على يد والدها، وكان هدفها منذ صغرها خدمة ومساعدة الآخرين وأن تصبح ممرضة، إلا أن والداها عارضاها لنظرة المجتمع السلبية إلى مهنة التمريض فى ذلك الوقت، لم تقتنع فلورانس بوجهة نظر والديها وانطلقت فى طريقها لتعلم التمريض عام 1851 م، بمدرسة الكايزروارت، رافضة كل عروض الزواج لشعورها بأنها ستحول بينها وبين ممارسة مهنة تعشقها.

بداية اهتمت فلورانس بالنظافة وقواعد التطهير، وبتمريض الصحة العامة فى المجتمع، وتعتبر أول من وضع قواعد للتمريض الحديث ومستويات للخدمات التمريضية والإدارية، وأسس لتعليم التمريض وآداب المهنة، على أن تكون هذه البرامج فى أيدى نساء مدربات على خلق حميد.

وبعد زيارة فلورانس لمصر فى الفترة من 1849 و1850 م، وما رأته فى مدينة الإسكندرية موفدة من جمعية (سان فنسان ديبول) فى  المستشفيات والمدارس التابعة لهذه الجمعية، ولقائها بعدد من الراهبات اللواتى يعملن متطوعات فى المستشفيات لمساعدة المرضى والفقراء من أبناء الشعب، تأثرت بالعطاء والتفانى فى خدمة الآخرين والنظام، وأثره فى إدارة المستشفيات، فبدأت بعد عودتها لوطنها بالطواف حول أوروبا باحثة عن كل ما يمت إلى عمل الخير بصلة، مدركة أنها لابد وأن تفعل شيئا هاما وجديدا، لتلك المهنة التى أحبتها، وفى إنجلترا موطنها الأصلى أنشأت أول معهد للتمريض عام 1853م، تحت إدارتها أطلق عليه اسم "معهد السيدات النبيلات للعناية بالمرضى" وبهذا تغلبت على معارضة والديها.

 أما البداية فى مصر جاءت من خلال محمد على، الذى قام عام 1825 م، بتعيين طبيب فرنسى يدعى كلوت بك، من أجل توفير الرعاية الصحية للجنود بمنطقة أبو زعبل،  وبالفعل بدأ فى أول عامين العمل على إعادة تنظيم الخدمة الطبية، من خلال إقامة مستشفى فى قرية أبو زعبل مصمم على أحدث طراز يسع من 800 إلى 1000 مريض إضافة إلى تعيين 150 شخصا من فرنسا وإيطاليا للعمل بالمستشفى، وعام 1827م،  أصدر محمد على قرارا بإنشاء أول مدرسة للطب بأبو زعبل مديرها كلوت بك؛ لتخريج أطباء مصريين على أن يلحق بها جناح للولادة، أشار إلى أهميته الأستاذ الدكتور نجيب محفوظ فى كتابة "تاريخ التعليم الطبى بمصر" ذاكرًا أنه بعد فتح مدرسة الطب فى أبى زعبل، تأكد من أهمية إلحاق جناح للولادة ومدرسة مولدات بالمستشفى، ولكنة وجد صعوبه كبيرة فى الحصول على طالبات لهذه المدرسة.

وقد تغلبت الحكومة على هذه المشكلة بشراء عشر فتيات حبشيات وسودانيات من سوق العبيد وألحقهن بالمدرسة، كما ضمت إليهن اثنين من الأغوات من القصر بالقلعة، وفى عام 1835 تم ضم عشر جوارى أخريات تم شراؤهن ليصل العدد إلى اثنين وعشرين طالبة، ثم زاد العدد بإلحاق عشر فتيات صغيرات يتيمات كن مريضات أرسلن للمستشفى للعلاج، وبعد شفائهن لم يطلبهن أقاربهن فألحقتهن الحكومة بالمدرسة، وفى جناح الولادة الصغير الذى بنى ملاصقا لمستشفى أبى زعبل، تم تعليم المجموعة السابقة من الطالبات مبادئ الولادة، إلى جانب القراءة والكتابة كونهن أميات، وفى سنة 1837 تم تعيين ميس جولت Golt  الفرنسية مولدة للقصر  ومدرسة للمدرسة وقد درست لهؤلاء الطالبات الولادة والتطعيم وبعض الدروس فى علاج الملاريا والصيدلة، كما أنها قامت بإعطائهن برنامج أولى فى اللغة الفرنسية.

ثم فى عام 1912م، أنشأت مدرسة الدايات بعد انتشار تواجدهن بالمجتمع وممارستهن لمهنة التوليد، ووقع الاختيار على مولدة إنجليزية تساعدها حكيمات مصريات لتدريبهن، وكانت مدة الدراسة ما بين أسبوعين إلى ستة أسابيع، على أن تُمنح من تجتاز فترة الدراسة "تصريح أبيض" وفى عام 1941م،  أنشأت مدارس مساعدات المولدات بمستشفيات الولادة ومراكز رعاية الأمومة والطفولة، مدة الدراسة عام بشرط الحصول على الشهادة الإعدادية، لتنال لقب ممرضة بعد اجتيازها مدة الدراسة.

ثم استبدل نظام العام بثلاث أعوام تسبقها فترة إعداد ستة أسابيع؛ لنيل دبلوم التمريض وتم تغيير اسمها إلى "مدرسة التمريض" وأُلحق بها بعد سنوات، المعهد العالى للتمريض، وبدأت ملائكة الرحمة ترعى وتطبب وتوفر كل أساليب الراحة والأمان إلى المريض، وصار لهن نقابة تحميهن، وانطلاقا من القيمة الإنسانية للمهنة التحق الرجال بمدارس التمريض ومعاهده العليا وصار الملائكة يحرسون بعضهم البعض ويعينون المرضى على تخطى أزماتهم.

نعود إلى اختيار هذا العام وتحديدا الشهر القادم للاحتفاء بالممرضة، الذى اختارته منظمة الصحة العالمية تخليدا لذكرى أول من أفنت عمرها من أجل هذه المهنة التى تستحق منا كل احترام، يبقى فقط أن يُنظر إلى المهنة بعين العطف والتقدير اللذين تستحقهما كل من تعمل بها، بداية من توفير الرعاية الصحية والاجتماعية، إلى تفعيل قوانين لحماية المهنة من سلوكيات البعض والتنمر الذى يلحق بهن متغاضين عن أى سلوك فردى يصدر منهن ليظل الثوب أبيض بلا أى ثقوب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز