البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
فى زمن الكورونا ترى العجب، لقد جعلت منا علماء وخبراء اقتصاديين، ورجال دين، وأخرجت ما بداخلنا من قدرات تمثيلية، بل وتجاوزت ذلك بأن جعلت بعضنا مفكرين وفلاسفة.

وبالطبع للجائحة الكورنية بُعد فلسفى مهم، لأنها مناسبة للتأمل فى الوجود الإنسانى، وعلاقة البشرية بالطبيعة، وكانت فرصة هائلة لإفراز الوعى بالشر الذى يلحقه الإنسان بالطبيعة، ولكن نحن تجاوزنها بمراحل ولم ننتبه لتلك الملاحظات التى ترى بالعين المجردة ولا تحتاج إلى بصيرة.

المحزن حقًا أن الجائحة الكورنية كشفت عن هشاشة التفكير الدينى لدى الكثير منا، الذى لا يقدم تفسيرًا مقنعًا يخضع لسلطان العقل لإصرار البعض على الصلاة الجماعة خلسة فى مداخل العمارات أو فوق الأسطح، وحالة النحيب على قرار عدم إقامة صلاة الترويح بالجوامع.

الغريب، تصوير البعض الجائحة الكورنية كأنها غضب إلهى ضد أناس تركوا الفروض الدينية وأقدموا على المحرمات، وحتى هؤلاء المقتنعين بذلك  لم يقوم بالمفروض القيام به تبعا لهذا المعتقد، بالتقرب إلى الله بحسن العمل والخلق والأبتعاد عن التنطع بالدين والتمسك بمظاهره دون جوهره.

والأخطر هو نشر فكرة أن الله حافظ، وأن الصلاة فى الجوامع من المستحيل أن تكون سببًا فى انتشار المرض، وللأسف أن هذا التفكير نال قدرًا كبيرًا من التأييد بين الناس، وفى الحقيقة أن من دعى إلى ذلك عزف على فكرة داخلية تسيطر على البعض فى الأزمات، حيث يميل الشخص إلى الاستسلام، وكأنه وسيلة نفسية لمواجهة القلق والقضاء على الهلع.

وقلة قليلة هى من اعتبرت الجائحة محنة ممتحنة يجتازها الإنسان ليختبر الله قوة إيمانه وصبره، وكنت أتمنى إلى جانب ممارسة العزل الصحى، يكون هناك عزل عن الفساد البشرى، وهذا ما يرضى الله ويجعلنا ننال رحمته وعفوه.

وعلى المستوى التعليمى بالنسبة لأولادنا لم نأخذ بالمعطيات العلمية لنعرف كيفية التعامل معها، بل بدأ البعض بالتباكى على الأطفال البسطاء وعمل مقارنة بين طفل له كمبيوتر، وبين طفل لا يتوفر على تلك الإمكانيات اللوجستية، رغم أن هؤلاء أنفسهم لا يهمهم هؤلاء الاطفال ولم يفكروا فيهم، ولكن كل ما كان مقصودًا فى أحسن الأحوال هو عدم قيام أولادهم بأى مجهود طالما هناك فرصة للنجاح، ولم يسأل أحد نفسه ماذا سيتعلم هذا الطفل من تلك التجربة.

والسؤال الأهم الذى يطرح نفسه الآن إذا كانت الجائحة الكورنية أثبتت ضرورة أهمية أن تعيش فى كنف "الدولة المعطية" لتحميك صحيًا واجتماعيًا، فلماذا لا تصبح أنت نفسك مواطنًا معطى مثلها؟ ومتى سيتوقف الكثير عن نغمة الشكوى والتدخل فى الكثير من الأموار والقرارات الحكومية، خصوصًا وأنت لا تملك سوى غوغائية القطيع، الذى يدعى معرفة بواطن الأمور، وأنه يملك بصيرة الحكماء.

أعتقد أن علينا جميعًا، إذا أردنا التخلص من عيوبنا والتقرب إلى الله حقًا فى رمضان، رجم فلاسفة الجائحة الكورنية داخلنا، وغلق وسوسة الشيطان المتذمر دومًا، والذى يدعوك إلى أمور ظاهرها الخير وباطنها الهلاك، وتذكر أن نجاة الساجد من الوباء مقدمة عند الله على أعمار المساجد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز