جمال رائف
سد النهضة حلم سياسى للنخب الإثيوبية الحاكمة بعيدًا كل البعد عن الآمال والطموحات التنموية للشعب الإثيوبى الذى يعانى ظروفا معيشية صعبة لن يحلها وهم السد وما يبنى عليه من طموحات وأحلام هى أكبر من قدرة السد التنموية، فى حين أنه السبيل لتحقيق طموحات النخب المسيطرة على الحكم والتى بحثت عن مشروع قومى يمكنها من حشد الرأى العام الإثيوبى وراءه بعد أن كادت تدمر النزاعات الإثنية أواصر الدولة الإثيوبية، ليصبح من يملك السد يسيطر على الحكم فى إثيوبيا، ربما طريقة بدائية فى التعامل السياسى مع الشعوب، ولكن هذا ما يحدث فى الداخل الإثيوبى ليمتد الطموح إلى أن هذا السد والمفاوضة بأوراقه ستمكن إثيوبيا من لعب دور إقليمى أكبر، ولكن ما ينفع فى السياسة الداخلية بالطبع لن يجدى نفعا فى العلاقات الدولية والإقليمية.
تلك الطموحات السياسية اصطدمت مؤخرًا بسد مع نوع آخر يهدد المشروعية القانونية لوجود أبى أحمد فى الحكم بعد أن اصطدمت بمانع دستورى لا يسمح له بالمرور إلى فترة حكم جديدة، بعد تأجيل الانتخابات التى كان مقرر انعقادها فى أغسطس المقبل بسبب وباء كورونا والذى يحدد الدستور الإثيوبى زمان انعقادها بشهر قبل انقضاء الفترة الحالية، والتى تنتهى فى سبتمبر المقبل الذى سيشهد انتهاء فترة حكم الجبهة الديمقراطية الثورية ورئيس وزرائها أبى أحمد.
والحل فى تلك الحالة وفقا للأعراف الدستورية تشكيل حكومة انتقالية تسير الأعمال لحين انتهاء الأزمة واللجوء للاقتراع وتحديد الحزب أو الجبهة الحاكمة والتى دائما ما كانت الجبهة الديمقراطية الثورية منذ أن عرفت إثيوبيا آليات الديمقراطية الغربية وهى الجبهة التى تضم الأحزاب التى تمثل الإثنيات الأكبر فى الفيدرالية الإثيوبية مثل "الأمهرة والأورمو والتجراى"، وحاول أبى أحمد منذ قدومه خلق نموذج بديل للجبهة يتضمن حزب وحدوى واختار له اسم الازدهار وهذا لتخطى الخلافات التى تنشب بين الأحزاب المكونة للجبهة ما يهدد تماسكها.
ورغم أن فكرة الدولة الوطنية بعيدة كل البعد عن المكون الإثنى للداخل الإثيوبى والذى دوما هو فى صراع على فرض النفوذ والسيطرة، إلا أنه أخرج فكرته للنور تمهيدا للمرور بها نحو فترة حكم جديدة، خصوصا بعد أن اهتزت شعبية الجبهة الديمقراطية الثورية فى الفترات الماضية وظهرت تلك الاهتزازات بشدة خلال فترة تولى ماريام ديسالين رئاسة الوزراء وما صحب ذلك من مظاهرات عنيفة عصفت به.
ولكن تشاء الأقدار أن تأتى الجائحة بما لا يشتهى أبى أحمد لتوقف المسار السياسى النمطى عبر الانتخابات وتستبدله برغبة الأحزاب المختلفة لتشكيل حكومة انتقالية لحين انتهاء الأزمة، وهو ما قوبل بالرفض من رئيس الوزراء الإثيوبي، فيما ترى بعض الأحزاب الصغيرة إنها فرصتها للظهور قبل الانتخابات واستعراض قدراتها عبر ممارسة العمل التنفيذى الذى حرمت منه، بينما وجدتها جبهة تحرير التجراى وهى الإثنية الأقوى مساحة لاستعراض القوة وقررت عدم الامتثال لقرار تأجيل الانتخابات وحددت موعدا لانتخابات الإقليم الخاص بها، وكأن الجميع يقفز من مركب أبى أحمد المؤدية إلى حزب الازدهار الذى لن يفلح فى جمع مختلف الإثنيات والتى تقوم على أساسها الأحزاب فى إثيوبيا فالمنطق السياسى يقول أن الجبهة تستوعب أحزاب مختلفة ولكن الحزب الواحد لا يستوعب جبهات متعددة.
هذه ليست أولى الأزمات التى تواجه استمرار الجبهة الحاكمة متمثلة فى رئيس الوزراء الحالى أبى أحمد، فى حين كلما هلت أزمة كان الحشد الجماهيرى وراء مشروع سد النهضة هو طوق النجاة الذى يضمن استمرار النخبة الحاكمة، وبالعودة إلى شريط الأحداث سنجد أنه بعد تعرض رئيس الوزراء الإثيوبى لمحاولة اغتيال فى يونيو عام 2018 قرر الذهاب لزيارة مقر السد والتقاط الصور هناك والحديث بخطاب شعبوى يتضمن الحديث عن أحلام التنمية وما يحمله السد من آمال وطموحات للشعب الإثيوبى.
نفس الأمر تكرر بعد فشل محاولة الانقلاب التى حدثت فى يونيو عام 2019 وأسفرت عن مقتل رئيس أركان الجيش الإثيوبى، وبالتالى الجبهة الحاكمة تعرضت لمحاولتين للإزاحة عن السلطة فى عام تقريبا هذا عوضا عن إخماد المظاهرات التى تشتعل بين الحين والآخر سواء بسبب الغضب الذى يسيطر على إقليم أمهرة أو تأييدا ووقوفا خلف المعرض محمد جوهر والذى كان صديقا وحليفا سياسيا لأبى أحمد وتحول لخصم عنيد يتحرك الشارع من أجله
فى خضم كل هذا العراك السياسى بالداخل الإثيوبى يحاول أبى أحمد لفت الانتباه عن الفراغ الدستورى الذى سيواجه إثيوبيا سبتمبر المقبل، وعقد اجتماعا ضم عددا من الوزراء المسئولين ليتم الإعلان عن بدء ملء بحيرة سد النهضة يوليو المقبل، لتظهر حقيقة الأبعاد السياسية لسد النهضة الذى هو مجرد أداة للنخبة الحاكمة للسيطرة على الحكم أو الاستمرار فى محاولة بسط النفوذ الإقليمى والذى يصبح غير مشروعا بل مجرما عندما يمس مقدرات دول وشعوب أخرى.
رئيس الوزراء الاثيوبى فتح أمام شعبه باب التبرعات لاستكمال بناء السد بعد أن خسر الدول الممولة واغضب الوسطاء فى رهان على الداخل والمكاسب المتعلقة بالبقاء بالحكم فى حين أهمل أبعد الأمن القومى الإثيوبى التى تضمن لها وللإقليم العيش فى سلام وأمان.