البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
فى عالم الرموز كان القناع ذو المنقار الطويل، بشكله الفريد، مرادفًا للموت الأسود، أى الطاعون القاتل الذى اجتاح أوروبا عام 1300 تقريبًا، موديًا بحياة ثلث السكان فى بعض المناطق.

اعتقد كثيرون أن صفة "الأسود" إشارة إلى اسوداد بشرة الضحايا بسبب الغرغرينا، والنزيف الذى يحدث تحت الجلد، لكن فى الواقع تشير هذه الصفة إلى الخوف العميق من انتشار الوباء بين السكان، هذا ما يراه دان براون فى روايته "الجحيم".

ولكن ما حدث مؤخرًا من بعض البشر فى عدة مناطق بمصر، يجعل صفة "الأسود" مقرونة بقلوب ونفوس البشر، فى ظل جائحة كورونا التى لا يعرف ماداها إلا الله.

فبينما سُلسلت الشياطين فى أصفادها بقدوم شهر رمضان، ظهرت قوى الشر البشرية، وأصبحت تصرفاتنا الأخلاقية، ومواقفنا الاجتماعية أكثر قسوة، وزادت نسبة الكراهية والتنمر، ما يعكس تحولات اجتماعية ونفسية أخطر بكثير من فيروس كورونا.

واتخذت القسوة الناجمة عن الجائحة على مدار الأسابيع الماضية أشكالاً عدة، وتطورت مع انتشار الوباء وارتفاع أعداد المصابين والضحايا.

وبدأت القسوة بتخلص الكثيرين من حيواناتهم الأليفة برميها فى الشارع دون تفكير، لمجرد خبر عن أنها قد تصاب بكورونا عن طريق الإنسان وليس العكس، ما يؤكد أننا فقدنا إنسانيتنا، بل وعقولنا أيضًا، وتناسى هؤلاء أن الحيوانات ذات أكباد رطبة سنحاسب عنها.

واستكمالا للكوميديا السوداء لهذا السيل المستمر من العنف الناتج من نفوس بشرية مريضة، انتقل التنمر والقسوة من الإنسان إلى الإنسان، وهو داء بلا دواء، لا يقترب من جهاز المناعة لديك، بل يصيب أرواحنا ونفوسنا فى مقتل.

وأعراضه ليست ارتفاع درجة حرارة الجسم، ولكن برودة المشاعر وخسة التصرفات، فتكون ردود أفعالنا وشعورنا بالاشمئزاز من أى واحد مصاب بالكورونا وإيذائه جسمانيًا ونفسيًا، بحجة تجنب تعرضنا لخطر الإصابة بالعدوى لاحقًا.

وأساليب التنمر التى رأيناها من قبل مع ممرضة الإسماعيلية، ثم رفض دفن جثامين الموتى، وأخيرًا قطع المياه والكهرباء عن أسرة أصيبت بكورونا، يشير بقوة إلى ولادة نوع من الوباء الاجتماعى أشد خطرًا وفتكًا من جائحة كورونا.

وللأسف أن هذا الوباء الاجتماعى لا يتبعه الإحساس بالندم، بل على العكس، يرى فاعليه أنهم يحفظون على أنفسهم من الموت.

وبالطبع القرارات الأخلاقية لا شأن لها بالتهديد الذى نواجهه من جائحة كورونا، ولكن تكمن فى المعايير الدينية والثقافية التى تربينا عليها، وللأسف أن غريزة القطيع  تسيطر عليها، فلا تجد عاقلاً يقف أمام مثل تلك الحالات، مهما أدت الى عواقب ضارة وتصرفات لا إنسانية مقصودة.

ولا يعلم هؤلاء أن تلك النفايات البشرية لا يمكن أن تساعد فى تقليل مخاطر العدوى، بل على العكس ستكون سببًا مباشرًا لزيادتها، وأن مواجهة تفشى العدوى تكمن فى حالة التلاحم والتآزر بين البشر.

وفى الحقيقة، جائحة كورونا التى جعلتنا أقل تسامحًا مع الآخرين، لم تعطنا حتى فرصة التعامل ببرجماتية مع الأمور، خصوصًا إذا سألنا أنفسنا ما هو شعورنا إذا تعرضنا للإصابة بالعدوى وعاملنا الآخرين بنفس أسلوب التنمر!

ياشياطين الإنس.. يا أيها المتنمرون بالمرضى، إن هذا ليس سوى علامة على اعتلال أرواحكم، وأنكم لم تصفدوا فى رمضان كشياطين الجان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز