شهدت كلمة الدكتور محمد الجندي، الخبير الدولي في الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، عرضًا موسعًا لمخاطر الشائعات والتضليل الرقمي وهندسة التأثير، مع تقديم نماذج عملية لكيفية تحول معلومة كاذبة إلى أزمة تتجاوز حدود منصات التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى التأثير في الرأي العام والأسواق وصانع القرار.
جاء ذلك خلال اجتماع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، بعدد من كبار المسئولين وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، ومجموعة من العمد والمشايخ لبعض القرى والنجوع بمحافظات مصر المختلفة، علاوة على عدد من الخبراء والمتخصصين، وذلك بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.
واستهل الجندي، حديثه بالتأكيد على أهمية التثبت من الأخبار، مستشهدًا بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، موضحًا أن التضليل وصناعة الشائعات لم يعودا ظاهرة محلية، وإنما أصبحا من أكثر الملفات تعقيدًا على المستوى الدولي.
قناة السويس.. كيف يمكن لشائعة واحدة أن تصنع أزمة؟
قدم الجندي، سيناريو افتراضيًا يوضح آليات صناعة الأزمة، من خلال نشر موقع مغمور في الساعات الأولى من الصباح خبرًا مزعومًا عن وجود وثيقة فنية مسربة تتحدث عن مشكلات في قناة السويس، وأن حركة الملاحة قد تتعطل خلال 72 ساعة.
وأوضح أن الخبر في بدايته قد لا يحظى بأي اهتمام، قبل أن تبدأ حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تداوله، بينها حسابات ممولة وأخرى تقدم نفسها باعتبارها متخصصة في الملاحة والشحن.
ومع انتقال الرواية إلى بعض المواقع الإخبارية وبدء الحديث عن التداعيات الاقتصادية المحتملة، يمكن أن يصل الأمر إلى وسائل إعلام دولية تتناول ما تصفه بـ«تقرير مزعوم».
وأكد الجندي أن خطورة هذا النوع من التضليل لا تتوقف عند حقيقة الخبر من عدمها، إذ إن مجرد انتشار الرواية يمكن أن يحدث تأثيرًا في وعي الجمهور، حتى في ظل عدم وقوع الحدث الذي تتحدث عنه الشائعة.
نموذج «A-B-C-D-E» لتحليل التضليل
استعرض الجندي إطارًا لتحليل حملات التضليل، يقوم على خمسة محاور رئيسية:
A – Actors: تحديد الفاعلين الذين أطلقوا الرواية أو نشروا الوثيقة.
B – Behavior: تحليل السلوك والتكتيكات المستخدمة في نشر المحتوى.
C – Content: دراسة مضمون الرسالة أو الصورة أو المادة المتداولة.
D – Distribution: قياس نطاق انتشار المحتوى وكيفية تضخيمه.
E – Effect: رصد التأثير الناتج على الرأي العام وصانع القرار.
ويتيح هذا النموذج الانتقال من مجرد رصد الشائعة إلى تحليل آليات إنتاجها وانتشارها والنتائج التي تسعى إلى إحداثها.
من خرائط جوجل إلى الفيديوهات المفبركة
وأشار الجندي، إلى أمثلة على محتوى مضلل جرى تداوله عبر منصات التواصل، من بينها شائعة مرتبطة بـ«رأس الحكمة»، تضمنت صورة لخريطة وتعليقًا يوحي بأن جزءًا من الأراضي المصرية أصبح تابعًا للإمارات.
وأوضح أن الصورة المتداولة كانت في الأصل جزءًا من محتوى لمدون متخصص في السيارات الكهربائية يوثق رحلة بين السعودية والإمارات، قبل اقتطاعها من سياقها واستخدامها في رواية مختلفة.
كما تحدث عن نماذج أخرى لتزييف مقاطع الفيديو، من بينها مقطع جرى تقديمه على أنه يوثق احتجاجات في الإسكندرية، بينما أشار إلى أن الفيديو الأصلي كان لمظاهرات داعمة لغزة، مع استبدال الصوت الأصلي بهتافات أخرى.
صناعة الشك.. عندما يصبح الهدف التشكيك في كل شيء
ووفقًا لما عرضه الجندي، فإن أحد أخطر أساليب التضليل لا يتمثل بالضرورة في إخفاء الحقيقة، وإنما في إغراق الجمهور بكم هائل من المعلومات والروايات المتناقضة، بما يؤدي إلى خلق حالة من الشك تجاه جميع المصادر.
واستشهد في هذا السياق بأمثلة تاريخية مرتبطة بصناعة التبغ، مشيرًا إلى استخدام التشكيك في الأدلة العلمية المتعلقة بالتدخين للحفاظ على قبول المنتج، كما تطرق إلى حملات تسويقية تاريخية ارتبطت باسم إدوارد بيرنيز واستغلال العواطف والمفاهيم الاجتماعية في التأثير على الجمهور.
منصات التواصل.. اقتصاد قائم على جذب الانتباه
وتناول الجندي، تأثير تصميم منصات التواصل الاجتماعي على سلوك المستخدم، موضحًا أن اقتصاد المنصات يعتمد بدرجة كبيرة على جذب الانتباه وإبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة.
كما أشار إلى جمع المنصات كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بسلوك المستخدمين واهتماماتهم، بما يساهم في تشكيل المحتوى الذي يظهر أمام كل شخص.
وتطرق كذلك إلى مفهوم فقاعات التصفية وغرف الصدى، حيث يتعرض المستخدم بصورة متكررة لمحتوى يتوافق مع اهتماماته أو قناعاته، وهو ما قد يؤدي إلى ترسيخ بعض الأفكار والروايات المتداولة.
الفيديوهات القصيرة والذكاء الاصطناعي يرفعان سقف التحدي
وأشار الجندي، إلى أن أنماط الاستهلاك الرقمي الحديثة، ومنها التمرير المستمر ومقاطع الفيديو القصيرة، غيرت طبيعة تعامل الجمهور مع المعلومات، بالتزامن مع انتشار مفاهيم مثل الخوف من فوات المحتوى أو FOMO.
كما حذر من التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور والأصوات ومقاطع الفيديو المزيفة، لافتًا إلى أن تقنيات Deepfake أصبحت قادرة على إنتاج محتوى يصعب على المستخدم العادي التمييز بينه وبين المواد الحقيقية.
وأوضح أن هذه التقنيات يمكن أن تُستخدم في التضليل والابتزاز والاستهداف السياسي والاقتصادي، خصوصًا عندما تكون وراءها مجموعات منظمة تمتلك موارد وقدرات تقنية كبيرة.
كيف يمكن مواجهة التضليل؟
طرح الجندي مجموعة من المحاور لبناء ما وصفه بالمناعة المجتمعية أمام الشائعات والمعلومات المضللة، من أبرزها:
تعزيز التفكير النقدي والتحقق من المصدر الأصلي للمعلومة.
عدم الاعتماد بصورة مطلقة على إجابات الذكاء الاصطناعي، والعودة إلى المصادر الموثوقة.
استخدام أدوات التحقق الرقمية للكشف عن الصور والمقاطع المفبركة والتزييف العميق.
إدخال التربية الإعلامية والمعلوماتية ضمن عملية تعليم النشء.
إنشاء منظومات إنذار مبكر لرصد الروايات المضللة قبل تحولها إلى أزمات.
سد الفراغ المعلوماتي عبر إتاحة المعلومات الصحيحة للجمهور في التوقيت المناسب.
قياس فاعلية الاستجابة الإعلامية ودراسة توقيت وطريقة الرد على الشائعات.
الرئيس السيسي: ممكن كلمة تخرب دولة
وعقب كلمة الدكتور محمد الجندي، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن خطورة الكلمة وتأثيرها في المجتمعات، مؤكدًا أن مسؤولية الكلمة تتجاوز العلاقات الشخصية إلى المجال العام عندما تصبح موجهة إلى جمهور واسع.
وقال الرئيس: «ممكن كلمة تخرب دولة.. كلمة! مش حدث.. كلمة»، مشددًا على أن الكلمة عندما يسمعها عدد كبير من الناس تصبح ذات تأثير مختلف عن الحديث داخل دائرة شخصية محدودة.
وأكد السيسي أن التعامل مع هذه القضايا يحتاج إلى فهم ووعي، مشيرًا إلى أن التأثير في المجتمعات أصبح علمًا وفنًا يمكن أن يسهم في تحريك الدول والتأثير فيها.
وشدد الرئيس على أن الحفاظ على مصر وأمنها لا يتحقق بالعمل فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى الفهم والوعي، موضحًا أن مسؤولية بناء الوعي لا تقع على مؤسسة واحدة، وإنما تشترك فيها المدرسة والمسجد والكنيسة والأسرة ووسائل الإعلام.