محمد أبو حامد
يذهب الدكتور نصر حامد أبو زيد، إلى أن الوجود فى نظر ابن عربى "خيال" يماثل الصور التى تتراءى للنائم فى أحلامه، ومن هذا المنطلق يفرق ابن عربى بين ظاهر الوجود وباطنه، ويرى ضرورة النفاذ من الظاهر الحسى المتعيّن إلى الباطن الروحى العميق فى رحلة تأويلية لا يقوم بها إلا الإنسان لأنه الكون الجامع الذى اجتمعت فيه حقائق الوجود، فالتأويل عند ابن عربى ليس مجرد وسيلة فى مواجهة النص بل هو منهج فلسفى كامل ينتظم الوجود والنص معًا.
ويتلخص موقف ابن عربى من تأويل القرآن فى أن الوحى الإلهى نزل للبشر كافة ليفهموا ظاهره أولاً، ثم ينفذ من استطاع منهم إلى باطنه، إن ابن عربى لا يسعى إلى معرفة الحقيقة عن طريق الفكر والنظر فحسب، ولكنه يرى أن من الممكن الوصول إليها عن طريق سمو الروح بالمشاهدة وبواسطة المكاشفة المباشرة.
إن فكرة الخيال فكرة محورية فى تصور ابن عربى للوجود، فهى الوسيط أو الفاصل بين الذات الإلهية والعالم، إن عالم الخيال بكل مراتبه وتدرجاته بدءًا بالألوهية هو الوسيط بين الله والعالم وهو وسيط وجودى ومعرفى فى نفس الوقت، ولهذا العالم الوسيط جانبان: ظاهر وباطن يقابل بظاهره العالم الحسى الذى نعاينه ونشاهده، عالم الطبيعة والكون والاستحالة، ويقابل بباطنه الذات الإلهية، وأهمية هذا العالم الوسيط أنه يحل كل التعارضات الثنائية بين الله والعالم، ويخلق إطارًا موحدًا يسمح بمشروعية كل الأفكار والتأويلات باعتبارها تجليات مختلفة للحقيقة المطلقة المتعالية عن التقييد والحصر، فهذا الوسيط ممكن أن يحل ثنائية صدور المحدث عن القديم والفانى عن الباقى، والناقص عن الكامل والمحدود عن المطلق، فإذا انتقلنا إلى نظرية المعرفة كان هذا العالم الوسيط هو عالم الرموز والدلالات الحقة وهو العالم الذى يتصل به الخيال الإنسانى فيستمد منه معرفته وعلمه.
وعلى مستوى النص الدينى يمكن لهذا العالم الوسيط أن يحل معضلة التشبيه والتنزيه، والذات والصفات، والوحدة والكثرة، والمحكم والمتشابه، والجبر والاختيار، والعدل الإلهى والمشيئة المطلقة، وباختصار كل هذه الثنائيات المتعارضة والتى تصبح فى ظل هذا العالم الوسيط الخيالى مجرد أوهام واعتبارات مختلفة لحقيقة واحدة، وتزول الخلافات داخل اتجاهات الدين الواحد، و بين الأديان بعضها بالبعض الآخر، ويصل ابن عربى إلى الدين الكلى الشامل دين الحقيقة والحب الذى يسع كل أشكال العبارات وصورها، وينتهى ابن عربى إلى أن الرحمة الألوهية الشاملة ستنتظم الجميع فى نهاية الأمر، لأن كل معرفة مهما تكن محدوديتها ونقصها تستند إلى أصل وجودى فى بنائه الخيالى.
وابن عربى دائم التنبيه إلى تعدد المستويات فى عباراته وألفاظه، وهو لا يفتأ يحذر قارئه من مهاوى الوقوع فى السطحية نتيجة لطبيعة اللغة العرفية التى لا مفر أمامه من استخدامها، ويؤكد أن هذه المستويات جميعها مراتب مختلفة تؤدى وظائف متعددة لحقيقة واحدة.
وعند ابن عربى إن المعرفة التى تعتمد على الشريعة بجانبيها الظاهر والباطن هى التى تؤدى إلى الكمال الإنسانى، والتجليات الإلهية على قلوب العارفين هى التى تمكنهم من القدرة على التأويل وفهم حقيقة أعيان الأشياء وأسرارها الباطنة على مستوى الوجود ورد معنى كلمات الله اللفظية إلى معانيها الوجودية.