محمد أبو حامد
انتهت جلسات الحوار المجتمعى الخاصة بمقترح التعديلات الدستورية، وقال الدكتور على عبد العال، رئيس مجلس النواب، فى جلستها الأخيرة: إن كل المقترحات والملاحظات التى طرحت خلال جلسات الحوار المجتمعى ستكون تحت بصر لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية عند صياغة المواد المقترح تعديلها، وستوضحها فى تقريرها الذى سيعرض على المجلس فى الجلسة العامة.
تشرفت بالمشاركة فى جميع الجلسات واستفدت كثيرًا من كل الآراء التى طرحت فيها سواء المؤيدة للتعديلات أو المعارضة لها، ولكنى انزعجت كثيرًا من تعليق الدكتور محمد فريد زهران، رئيس الحزب الديمقراطى الاجتماعى، وهو من المعارضين للتعديلات، وهذا بالتأكيد حقه وله مطلق الحرية، ولكن الذى انزعجت منه هو ما ورد فى كلمته من أن البرلمان ليس له الحق فى التقدم بتعديلات دستورية، وأنه باقتراح التعديل قد اعتدى على السلطة التأسيسية التى وضعت دستور 2014.
أقول إننى انزعجت من هذا التعليق وطرحه فى جلسة الحوار المجتمعى بمنتهى القوة واليقين وكأنها حقيقة قطعية لا تقبل نقاش، لأنه يتعارض صراحة مع ما ورد فى دستور 2014 ذاته فى مادته رقم 226 التى أعطت لـ"خُمس أعضاء مجلس النواب الحق فى طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور"، وهذا الحق مكفول للبرلمانات فى غالبية دساتير العالم، ومنها الدستور الأمريكى فى مادته الخامسة والتى تنص على: "يقترح الكونجرس إدخال تعديلات على هذا الدستور إذا رأى ثلثا الأعضاء فى كل من المجلسين ضرورة لذلك".
قام فريق بحثى بجامعة برينستون الأمريكية بدراسة 194 دستور ظهرت فى دول العالم المختلفة فى الفترة من 1975 وحتى 2003، وكان من نتائج البحث معرفة أن هناك تسع طرق لكتابة الدساتير فى العالم فى هذه الفترة، أكثرها استخدامًا هو أن يقوم البرلمان المنتخب من الشعب بوضع الدستور الجديد (42% من الدساتير موضع البحث = 81 دستورًا)، ومثال للدول التى قام البرلمان فيها بوضع الدستور طبقًا لهذه الدراسة:
o دول أعضاء فى مجموعة العشرين - أقوى 20 اقتصاد على مستوى العالم ـ وهى: " تركيا، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، وجنوب إفريقيا".
o دول أعضاء بالاتحاد الأوروبى وهى: "البرتغال، وإسبانيا، وبلغاريا، والتشيك، ورومانيا، والمجر، وبولندا، واليونان، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، ولاتفيا، ولتوانيا".
o دول أخرى منها: "ألبانيا، وأرمينيا، وروسيا البيضاء، وكرواتيا، وأوكرانيا، ومقدونيا، وجورجيا".
حسب الدراسة، فهناك طرق أخرى مثل أن يقوم بوضع الدستور هيئة تأسيسية معينة من قبل البرلمان (9% = 17 دستورًا)، أو أن يقوم الحزب الحاكم بوضع الدستور (5% = 9 دساتير)، ومن المعلوم أن الحزب لن يكون حاكمًا إلا إذ كان هو صاحب الأغلبية فى البرلمان، أى أننا إذا قمنا بجمع الثلاث طرق السابقة (42% + 9% + 5% = 56%) نجد أن 108 دساتير من الـ 194 دستورًا محل الدراسة تم وضعهم بواسطة البرلمان بطريقة أو بأخرى.
أما باقى الطرق التسعة فهى: إما أن تضع الدستور جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب (17%)، أو تضعه السلطة التنفيذية ـ الحكومة ـ أو لجنة عينتها (10%)، أو لجنة تم وضعها بواسطة المستعمر لإنهاء الاحتلال (6%)، أو أن تضعه السلطة التشريعية الموجود فى الفترة الانتقالية (6%)، أو المؤتمر الوطنى (3%)، أو المائدة المستديرة (2%).
وبالتالى ومع كامل الاحترام لحق الدكتور فريد زهران والحزب الديمقراطى الاجتماعى فى تبنى ما يشاء من آراء سياسية، وفى التحفظ على التعديلات الدستورية إلا أن كلامه عن هذا الأمر غير دقيق، وكذلك وصفه للتعديلات بأنها تصطدم بالمبادئ الأساسية لدستور 2014 هو أيضًا غير دقيق، فالتعديلات لم تمس نظام الحكم وخصائصه، ولم تمس المقومات الأساسية للمجتمع، كما أنها لم تقترب من الباب الذهبى فى دستور 2014 وهو الباب الثالث الخاص بالحقوق والحريات والواجبات العامة والذى تم صياغته طبقًا لأرقى المعايير التى الإنسانية، وبالتالى ما كان يصح أبدًا أن يُطرح هذا الرأى على الشعب وكأنه حقائق قطعية لا مجال للمناقشة فيها أو حولها، ولأن القواعد التى وضعها الدكتور على عبد العال لإدارة جلسات الحوار المجتمعى كانت تلزمنا بالاستماع فقط وعدم التعقيب على آراء المتحدثين، فأردت أن أكتب هذه الكلمات للتعبير عن رأى فيما قاله الدكتور زهران.
من وجهة نظرى، يجب على المعارضة عند طرح أفكارها وآراءها فى المجالات المختلفة أن تفرق بين الحقائق القطعية الثابتة والتى لا تقبل نقاش، وبين الآراء والأفكار التى تقبل المناقشة والاختلاف حولها، وأن توضح ذلك للرأى العام، إن خطورة القول إن البرلمان ليس من حقه اقتراح تعديل الدستور يطعن فى شرعية التعديلات بغض النظر عن محتواها ولذلك انزعجت، أما أن نختلف مع المعارضة فى وجهات النظر حول جدوى التعديلات، وصيغتها المثلى فهذا أمر طبيعى، بل هو فطرة بين البشر قديمة قدم الدهر، فالله تعالى قضت حكمته أن خلق الناس بعقول ومدارك متباينة جعلت الاختلاف بين البشر من السنن الكونية.