محمد أبو حامد
- التسامح فى "لسان العرب" لابن منظور ثرى المعانى ومعظم هذه المعانى مشتق من (سمح)، والسماح والمسامحة: الجود والعطاء عن كرم وسخاء، وليس تسامحا عن تنازل أو مِنه، والمسامحة: المساهلة، وتسامحوا: تساهلوا؛ لأن "السماح رباح" كما جاء فى الحديث الشريف بمعنى أن المساهلة فى الأشياء تربح صاحبها، وعموما يستخدم التسامح فى اللغة العربية ليدل على السياسة التى يتجمل بها الفرد فى التعامل مع كل ما لا يوافق عليه ويصبر عليه، ويجادل فيه بالتى هى أحسن، ويتقبل وجوده بوصفه حقا من حقوق المخالفة، ولازمة من لوازم الحرية التى يقوم عليها معنى المواطنة فى الدولة المدنية الحديثة.
- وأما التسامح من المنظور النفسى فهو: تخلى المُساء إليه عن حقه فى الانتقام ممن أساء إليه، والتغلب على مشاعر الاستياء والمرارة والغيظ والغضب، أى الانصراف الذهنى عن الانفعالات والأفكار والسلوكيات السلبية تجاه المسىء، وهناك فريق من الباحثين يرى، أن التسامح لا يتضمن فقط تخفيض الانفعالات والأفكار والسلوكيات السلبية تجاه المسىء ولكنه يتضمن أيضا حدوث تغيرات إيجابية لدى المُساء إليه تجاه المسىء، فالتسامح عندهم عملية متعمدة تتضمن حدوث تحول من الاستجابة السلبية (الانتقام من المسىء) إلى الاستجابة الإيجابية وينتج عن هذه العملية انخفاض فى دافعية المُساء إليه للثأر ممن أساء إليه و يصبح أقل نفورا منه.
- وطبقا لما سبق فإن التسامح يتيح لنا أن نعايش مشاعر التعاطف والرحمة والحنان لمن أساؤوا إلينا، ونحمل كل هذه المشاعر فى قلوبنا مهما بدا لنا العالم من حولنا، والتسامح هو الطريق إلى الشعور بالسلام الداخلى والسعادة، وهو سبيلنا إلى الطمأنينة رغم الشعور بالألم، والاستمرار فى الحياة بعد تعرضنا للإيذاء من الآخرين، ويساعدنا التسامح على تحمل مسؤولية ما نشعر به، وعدم التوقف عن الأمل لمجرد أننا تعرضنا لألم ما.
- وقد حَثَّت الأديان الإبراهيمية على التسامح منذ آلاف السنين ويعتقد معتنقوا هذه الأديان أن التسامح يُحدث مجموعة من الفوائد الوجدانية والروحية فهو يُطهّر الإنسان ويجعله متشبعا بخصال روحية شبيهة بخصال الذات الإلهية.
* فى اليهودية: إن الأساس الإلهى والجوهرى للتسامح هو أن الله ذاته يتسامح، ولذلك فنحن فى حذونا لله ينبغى علينا أن نتسامح كذلك فالتوراة تدعونا إلى أن "تسلكوا فى جميع طرقه" ـ تثنية 21:11، وهذه هى طرق القدوس: "الرب إله رحيم و رؤوف بطىء الغضب، وكثير الإحسان إلى ألوف، غافر الذنب والمعصية والخطيئة"ـ خروج 34:6، وكما أن الله رحيم فيجب أن تكون أنت أيضا رحيما، وكما أنه رؤوف فيجب أن تكون أنت أيضا رؤوفا.
* فى المسيحية: تعد أكثر الإشارات إلى التسامح أهمية توسل السيد المسيح إلى الله أن يغفر لأولئك الذين صلبوه على الصليب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون" ـ لوقا 24:23، وفى الصلاة الربانية: "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا" ـ متى 12:6، ويسأل بطرس: "هل يجب أن يغفر الإنسان لأخيه سبع مرات؟ فيجيب يسوع لا بل سبع وسبعين مرة أو سبعين مرة" ـ 21:18 ـ 22.
* فى الإسلام: الأساس الدينى للتسامح ورد فى كثير من آيات القرآن والأحاديث النبوية منها: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" ـ الأعراف 199، "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" ـ الشورى 43، "وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ـ التغابن 14، "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ" ـ آل عمران 159.
وضرب الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثلًا رائعا كشخص متسامح فى أموره الخاصة، فقد عاش فى مكة ثلاث عشرة سنة بعد أن تم تكليفه بالرسالة، وأثناء هذه الفترة اضطهد واضطهد أتباعه وقتل بعضهم وأخيرا أراد أعداؤه قتله، وأثناء الثمانى سنوات الأولى لإقامته بالمدينة المنورة طارده أعداؤه وجلبوا الجيوش لمحاربته، وفقد كثيرا من أقاربه وأصدقائه المقربين على أيدى قريش، وعلى الرغم من ذلك كله، وبعد فتح مكه أعلن العفو العام عن أولئك الذين لم يشهروا السلاح فى وجهه أثناء دخوله مكه، يقول محمد حسنين هيكل واصفاً هذا الموقف: "وقف الآلآف من المسلمين فى صفوف المعركة متأهبين ينتظرون كلمة واحدة ليدمروا مكة بأكملها و رجالها خلال دقائق، لكنه لم يكن سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن سوى رسول الله.. فلا نفور، ولا خصومة أو عداء يمكن أن يجد مكانا دائما فى قلبه، فقلبه خالٍ تماما من الظلم والحقد والاستبداد أو الزهو الزائف، وفى أكثر اللحظات حسما منحه الله القوة على أعدائه، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم اختار أن يتسامح، وبذلك قدم لكل البشرية، ولكل الأجيال المتعاقبة مثلاً كاملاً فى الطيبة والثقة بالآخرين والنبل و الشهامة".
- نتذكر هذه النصوص الدينية التى تدعوا إلى التسامح ونحن نعاصر أكثر الأحداث دموية والتى راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر نتيجة للصراعات العرقية، والكراهية، والإرهاب، والتى كان آخرها حادث إطلاق النار على مسجدين فى نيوزيلندا، إن الفهم العلمى للتسامح والعمل على نشر وتدريس مهارته بوصفها أسلوبا لتخفيض الصراع والعدائية، قد يمكن الإفادة منه فى تحسين كثير من البشر، ووقف روح الكراهية التى تضرب العالم.