البث المباشر الراديو 9090
 النائب محمد أبو حامد
إن للحديث النبوى، من جلال الشأن وعلو القدر ما يدعوا إلى العناية الكاملة به، والبحث والتدقيق عنه حتى يدرس ما فيه من دين وأخلاق وحكم وآداب، وغير ذلك مما ينفع البشر فى دينهم ودنياهم.

يقول الدكتور طه حسين، عن البحث والتدقيق فى السُّنة النبوية: "الموضوع خطير حقًّا لا يقف الناس عنده فى هذه الأيام، وإنما يشفقون منه أشد الإشفاق، يخافون أن تزل أقلامهم أو أن يثيروا سخط المحافظين الذين قرروا أن هذا النحو من العلم قد أصبح شيئًا مقدّسًا أو كالمقدس لا ينبغى التعرض له إلا بالنقل والاستشهاد، فأما النقد والتعمق فأشياء لا يستقيم الخوض فيها لأحد".

الموضوع خطير قيم وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذى يحمل عن النبى، صلى الله عليه وسلم، وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمين إلى ما يروى لهم عن رسول الله، وقد ألح على البعض فى تبيين أشياء تحمل على النبى، وليست من كلامه فى شئ، وإنما دُست عليه لأغراض مختلفة بعضها دسه جماعة من اليهود أظهروا الإسلام والورع واخترعوا أشياء من عند أنفسهم، أضافوا بعضها إلى النبى وأضافوا بعضها إلى التوراة، وليست هى من كلام النبى ولا من التوراة فى شئ، وبعضها دُس أثناء الوعظ والقصص، وأريد بها دعوة الناس إلى الفضائل وحب الخير واجتناب الآثام فرغّبوا ورهّبوا ولم يتحرجوا من إضافة أشياء إلى النبى، يرون أن الناس يتأثرون بها أكثر مما يتأثرون بكلام الوعاظ والقصاص، وأشياء أخرى دُست تملقًا للخلفاء ورجال الحكم والتماسًا للحظوة عندهم، وأشياء أخرى اختراعها المختصمون فى علم الكلام والفقه دفاعًا عن آرائهم فى هذين النوعين من العلم، وأشياء دُست لنشر الدعوة لبعض الأحزاب السياسية فى العصور الأولى، ذلك إلى أفراد الناس أكثروا من اختراع الحديث ليوهموا العامة وبعض الخاصة أنهم أصحاب علم غزير ومعرفة دقيقة بأقوال النبى وأعماله، وكان لهذا كله أثره فى إفساد العقول والانحراف بآراء كثير من الناس عن الاستقامة فى فهم الدين، وتصور النبى كما ينبغى أن يتصوّره المسلمون، منزّهًا عن هذا السخف الكثير الذى حُمل عليه وهو منه برئ، وكان هذا أيضًا مطمعًا لكثير من خصوم الإسلام وأعدائه فى نقد الدين والتحامل عليه وعلى الرسول.

وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله واجتهدوا ما استطاعوا فى التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين، وكانت طريقتهم فى هذا الاجتهاد إنما هى دراسة حياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلاً بعد جيل حتى تم تدوينه، فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقى السيرة صادق الإيمان بالله ورسوله، شديد الحرص على الصدق فى حديثه كله وفى حديثه عن النبى، وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الإخلاص سبيلاً.

ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيًا، فمن أعسر الأشياء وأشدها تعقيدًا أن تتبع حياة الناس بالبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها، فمن الممكن أن تبحث وتفحص وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارهم وما تضمر قلوبهم فى أعماقها وما يمعنون فى الاستخفاء به من ألوان الضعف فى نفوسهم وفى سيرتهم أيضًا.

ولم يكن بُد من أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر وهو درس النص نفسه، فقد يكون الرجل صادقًا مأمونًا فى ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم، ولكن الله وحده هو الذى اختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب أو تستره الضمائر، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم، ولكن سرائرهم مدخولة تخفى دخائلها عن الناس، فلا بد إذن من أن نتعمق فى نص الحديث الذى يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذى لا يتطرق إليه الشك ولا يبلغه الريب من أى جهة من جهاته لأنه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفراداً أو جماعات وإنما تناقلته أجيال الأمة الإسلامية مجمعة على نقله فى صورته التى نعرفها، وهذه الأجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبًا، كتب فى أيام النبى نفسه، وجمع فى خلافة أبى بكر، وسجّل فى المصاحف وأرسل إلى الأقاليم فى خلافة عثمان، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة والرواية المحفوظة فى الذاكرة وتطابقت كلتا الروايتين دائمًا، فلا معنى للشك فى نص من نصوص القرآن لأنها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل الشك.

وكذلك طائفة من أعمال النبى لم ينقلها فرد أو جماعة وإنما تناقلتها الأمة الإسلامية كلها جيلاً عن جيل كالصلوات الخمس المكتوبة التى أمر الله بها ولم يفصّلها، ففصّلها النبى حين صلّى بأصحابه وتناقلتها الأمة على نحو ما أداها النبى، وقل مثل ذلك فى الزكاة والحج وصيام رمضان الذى فصّل الله فى القرآن بعض أحكامه، وفصّلها النبى بصيامه وتعليم أصحابه كيف يصومون، فإذا وصل إلينا حديث عن النبى فينبغى أن ندرس نص هذا الحديث ونتبين أنه لم يناقض القرآن ولم يناقض ما تواتر من أعمال النبى، فإن كان فيه مناقضة قليلة
أو كثيرة رفضناه واطمأنت قلوبنا إلى رفضه، لأن النبى إنما كان مفسرًا للقرآن ومفصلاً للمجمل من أحكامه، وكذلك كانت عائشة رحمها الله، تفعل فقد نقل إليها أن بعض الصحابة يقولون إن النبى رأى ربه ليلة المعراج، فقالت لمن نقل إليها ذلك: "لقد قف شعرى مما قلت وقرأت الآية الكريمة من سورة الأنعام: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)"، ونقل إليها عن بعض الصحابة أن النبى قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله فرفضت هذا الحديث وقرأت قول الله تعالى من سورة فاطر: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، وكان الصالحون من أصحاب النبى يتحرجون أشد التحرج من رواية الحديث عن النبى، وكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، يشتد على من أكثر الحديث عن النبى وربما ضربهم بدرته كما فعل مع أبى هريرة وأنذره بالنفى عن المدينة إلى أرض قومه فى اليمن إن عاد إلى الحديث، ويروى أن النبى نفسه نهى عن كتابة أقواله وكره أن يكتب عنه شيئًا غير القرآن.

أردت أن تكون هذه الكلمات مقدمة لطرح وجهة نظر حول كيفية التعامل مع السُّنة النبوية، ولنبدأ فى المقال القادم بتعريف السّنّة وأقسامها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز