البث المباشر الراديو 9090
محمد أبو حامد
يقول الأستاذ والأديب أحمد أمين: يراد بالسنة أو الحديث ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير، وبعد عصر الرسول ضُمّ إلى الحديث ما ورد عن الصحابة، فالصحابة كانوا يعاشرون الرسول ويسمعون قوله و يشاهدون عمله، و يحدِّثون بما ورد وما سمعوا، و جاء التابعون بعدُ فعاشروا الصحابة وسمعوا منهم ورأوا ما فعلوا، فكان من الإِخْبار عن رسول الله و صحابته "الحديث".

وللحديث قيمة كبرى فى الدين تلى رتبة القرآن، فكثير من آيات القرآن مجملة أو مطلقة أو عامة، فجاء قول رسول الله أو عمله فبيَّنها أو قيدها أو خصصها، فالقرآن مثلاً لم يبين تفاصيل الصلاة، وإنما أمر بها
مجملة، وفعل النبى أوضح أوقاتها وكيفياتها، كذلك كانت تعرض لرسول الله حوادث يقضى فيها، وأسئلة يجيب عنها، ومبادلة أخذ وعطاء، وتصرف فى الشؤون السلمية والحربية، كل هذه كانت أحيانا ينزل فيها
قرآن، وأحياناً لا ينزل، وهذا النوع الثانى كالأول مرجع للمشرعين، فاقتضى ذلك جميعه العناية بالحديث.

ولم يدوّن الحديث فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كما دوِّن القرآن، فإنا نرى أن رسول الله اتخذ كتبة للوحى يكتبون آيات القرآن عند نزولها، ولكنه لم يتخذ كتبة يكتبون ما ينطق به من غير القرآن، بل وجدنا أحاديث كثيرة تنهى عن تدوين الحديث، منها ما رواه مسلم فى صحيحة عن أبى سعيد الخدرى أن قال : قال الرسول صلى الله عليه و سلام : "لا تكتبوا عنى، و من كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى فلا حرج، ومن كذب على متعمد فليتبوأ مقعده من النار".

نعم وجدت أحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالكتابة وأجازها بل وأمر بها، كالذى روى البخارى: عن أبى هريرة أن خُزَاعة قتلوا رجلا من بنى لَيْث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك
النبى فركب راحلته فخطب فى الناس، وبعد أن انتهى جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لى يا رسول الله – يريد أن يكتب له الخطبة التى سمعها منه فقال النبى: اكتبوا لأبى فلان، وهذا أمر مباشر بالكتابة، وكذلك ما
روى عن عبد الله بن عمرو ابن العاص من أنه كان يكتب كل ما سمع من رسول الله، وكتب صحيفة كانت تعرف بالصادقة، وكتب صحف أخرى من الحديث فى عهد الرسول مثل: صحيفة أبى بكر فى الفرائض والميراث، وصحيفة على فى الدِّيات والتعويضات.

وقد أرد بعض العلماء التوفيق بين الأحاديث المتضاربة، فقالوا : إن النهى عن الكتابة كان وقت نزول القرآن خشية التباس القرآن بالحديث، على كل حال لم يكن تدوين الحديث شائعا فى هذا العصر ولم يوضع له
نظام خاص لتدوينه كالذى وضع للقرآن، ونشأ عن هذا أنه كان بعد وفاة الرسول: كتاب مدون هو القرآن، وأحاديث غير مدونة تروى عنه، وكانت تروى فى الغالب من الذاكرة لا من الصحيفة، فكان إذا عرض حادث
ليس له حكم فى القرآن وعرف بعض الصحابة أنه حدث نظيره لرسول الله وكان له فيه حكم حدّث بذلك الحديث، وكذلك كانوا يحدثون بما وقع فى عهده من حروب ومن وعد ووعيد.

وكان بعض الصحابة يكره كثرة الرواية عن رسول الله خشية الكذب عليه، وخشية أن يصدهم ذلك عن القرآن، روى القرطبى فى كتابه – جامع بيان العلم – "عن قُرَظة ابن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى حرار فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قالوا نعم : نحن أصحاب رسول الله مشيتً معنا . فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دَوِيّ بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جوِّدوا القرآن و أقلوا الرواية عن الرسول، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا حدِّثنا قال : نهانا عمر بن الخطاب"، بل كان بعض الصحابة كذلك إذا حُدث حديثاً عن رسول الله طلب دليلا على صحة ما يروى، روى البخارى و مسلم عن أبى سعيدٍ الخدرى قال: كنت جالسا فى مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى فزعا، فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرنى عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لى، فرجعت فقال ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنى أتيت فسلمت على بابك ثلاثا فلم تردُّوا علىّ فرجعت، وقد قال الرسول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع"، قال عمر: لتأتينى على هذا بالبينة، فقام أبو سعيد معه فشهد له، فقال عمر لأبى موسى: إنى لم أتهمك، ولكنه الحديث عن رسول الله.

نشأ من عدم تدوين الحديث فى كتاب خاص فى العصور الأولى واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال الرسول أو فعل مدة ثلاثة وعشرين عاما من بدء الوحى إلى الوفاة، أن استباح قوم لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذبا إلى رسول الله، ويبدو أن هذا الوضع حدث حتى فى عهد الرسول، فحديث "من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" يغلب علىَّ الظن أنه إنما قيل لحادثة حدثت زوِّر فيها على الرسول، و بعد وفاته صلى الله عليه و سلم كان الكذب أسهل وتحقيق الخبر عنه أصعب، ولما فتحت الفتوح ودخل فى الإسلام من لا يحصى من مصر والشام والفرس وغيرهم، وكان من هؤلاء من لم يتجاوز إيمانهم حناجرهم كثر الوضع كثرة مزعجة، قال ابن عدى: لما أخذ عبد الكريم بن أبى العوجاء الوضَّاع ليقام عليه الحد قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها و أحلل، وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير – التى ذُكر عن أحمد بن حنبل أنه قال لم يصح عنده منها شىء – قد جمع فيها آلاف الآحاديث، وأن البخارى وكتابه يشتمل على نحو سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مكررة، قالوا إنه اختارها وصحت عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة فى عصره، على كل حال كان الوضع كثيرا، وقد حمل الوضّاع على الوضع أمور أهمها، هذا ما سوف نعرفه المقال القادم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز