النائب محمد أبو حامد
قد أظهرت الدعوات الأولى لإصلاح الأزهر الصراع الممتد داخله بين الفكر العقلانى النقدى الذى مثَّله دائما الأقلية، والفكر المحافظ الذى مثله التوجه الرئيسى داخل الأزهر، وهذا الصراع هو نفسه الممتد فى العالم الإسلامى كله منذ بدء الرسالة المحمدية وحتى الآن، وحتى فى مرحلة ازدهار الحضارة والثقافة الإسلامية عبر ثمانية قرون، أضاءت العالم كله فى الأندلس وأثرت وتأثرت بالعالم وحضاراته وثقافاته، جرى إحراق كتب المفكر العقلانى "ابن رشد" ونفيه فى تعبير واضح وعنيف عن هذا الصراع حول حرية الفكر والاعتقاد، بل حول حق الاجتهاد الذى طالما وضع له المحافظون حدودًا وقيدوه بعشرات القيود، ثم ادعوا أنه مطلق و حر.
ولعل ما ذكره الإمام محمد عبده عن تجربته فى محاولة إصلاح الأزهر خير تعبير عن هذا الصراع، والرجل قد حدد هدفه من الإصلاح الدينى عندما قال عنه إنه يعنى "تحرير الفكر من قيد التقليد، وتحرير العقل الإنسانى، وإقامة الصلات الممكنة بين العلم والدين"، والذى نود الإشارة إليه هنا هو تقدير الأستاذ الإمام للعقل الإنسانى، ومكانته، وقدراته فى البحث والنظر والوصول إلى حقائق الأشياء فى هذا الكون وهذه الحياة، حتى أنه قد جعل منه المرتكز الأول و الأساسى للنشاط الإنسانى فى حقل التربية والتعليم، وفى تفسير القرآن وهو كتاب الدين الأول والأساسى، حيث يرى وجوب أن يطرح الذين يريدون تفسير القرآن تفسيرًا حديثًا مستنيرًا، أن يطرحوا جانبًا "رؤية" السابقين من المفسرين، حيث يعتبر أن رؤية المفسرين السابقين قد ارتبطت بالمستوى العقلى ودرجة العلم التى بلغوها وتحصلت لمجتماعتهم وبيئاتهم الثقافية، وليس بالضرورة أن يكون عقلنا واقفًا عند ما بلغوه فقط، ولا أن تكون حصيلتنا الفكرية هى فقط ما حصلوه.
كذلك فإن الإمام محمد عبده يعتبر كل النتائج التى يصل إليها العقل سبلًا توصل إلى ذات الله، أى أن طريق العقل هو طريق معرفة الله، ولذلك فهو يقول: "إن العقل من أجل القوى، بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التى ينظر فيها وكتابه الذى يتلوه، وكل ما يقرأ فيه فهو هداية إلى الله وسبيل للوصول إليه". فليس هناك إذن صفحات فى هذا الكون محظور على العقل الإنسانى أن يطالعها ويرى فيها ما يراه، ذلك أن الحدود التى تحدد نطاق النظر العقلى هى حدود الفطرة لا النصوص المأثورة، فالله قد أطلق للعقل البشرى أن يجرى فى سبيله الذى سنته له الفطرة من دون تقييد.
وفيما يتعلق بالنصوص المأثورة عن السابقين، يفرق الأستاذ الإمام ما بين القرآن وغيره من النصوص، ففيما يتعلق بغير القرآن من النصوص لا يرى الإمام لنص حصانة، حيث يرى أن الرواة ورجالات السند لا نستطيع نحن بما لدينا من معلومات، أن نجعل من مروياتهم هذه حُججًا تعلو حجة العقل الذى هو أفضل القوى الإنسانية على الإطلاق، وعن قيمة هذه الأسانيد يتحدث الإمام إلى أحد علماء الهند فيقول له: "ما قيمة سند لا أعرف بنفسى رجاله، ولا أحوالهم، ولا مكانهم من الثقة والضبط؟" وإنما هى أسماء تتلقفها المشايخ بأوصاف نقلدهم فيها، ولا سبيل لنا إلى البحث فيما يقولون.
وهكذا فإن الإمام يرى عرض هذه المأثورات ومنها الأحاديث النبوية على القرآن، فما وافقه كان القرآن هو حجة صدقه، وما خالفه فلا سبيل لتصديقه، وما خرج عن الحالتين فالمجال فيه لعقل الإنسان مطلق و مفتوح.
وفى النهاية يقول الإمام محمد عبده عن تجربته: إن نفسى توجهت إلى إصلاح الأزهر منذ كنت مجاورا فيه بعد التلقى عن السيد جمال الدين، وقد شرعت فى ذلك فحيل بينى وبينه ثم كنت أترقب الفرص، فما سنحت إلا و استشرفت لها وأقبلت عليها، حتى إذا ما صادفت الموانع لويت وصبرت مترقبًا فرصة أخرى، وبعد أن عدت من المنفى حاولت إقناع الشيخ محمد الإنبابى شيخ الأزهر بشىء فلم يصادف قبولا.. قلت له مرة.. هل لك أيها الأستاذ أن تأمر بتدريس مقدمة ابن خلدون فى الأزهر؟ ووصفت له من فوائدها ما شاء الله أن أصف، فقال: إن العادة لم تجر بذلك.. ثم قال الإمام محمد عبده: إن بقاء الأزهر متداعيًا على حاله فى هذا العصر محال، فهو إما أن يعمر وإما أن يتم خرابه، وإننى أبذل جهد المستطاع فى عمرانه، فإن دفعتنى الصوارف إلى اليأس من إصلاحه فإننى لا أيأس من الإصلاح الإسلامى، بل أترك الحكومة واختار أفرادا من المستعدين فأربيهم على طريقة التصوف التى ربيت عليها ليكونوا خلفًا لى فى خدمة الإسلام، ثم أؤلف كتابًا فى بيان حقيقة الأزهر أمثل فيه أخلاق أهله وعقولهم ومبلغ علومهم وتأثيرهم فى الوجود وأنشره باللغة العربية ولغة إفرنجية، حتى يعرف المسلمون وغيرهم حقيقة هذا المكان التى يجهلها الناس حتى من أهله"، وفى حوار له مع الشيخ محمد البحيرى عضو مجلس إدارة الأزهر فى اجتماع المجلس، يقول له الشيخ البحيرى: إننا نعلمهم كما تعلمنا، فيقول الإمام: وهذا الذى أخاف منه! فيقول الشيخ البحيرى: ألم تتعلم أنت فى الأزهر، و قد بلغت من مراقى العلم وصرت فيه العلم الفرد؟ فيقول الإمام: إذا كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر، فإننى لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من "لفظ لا أستطيع تكرره" الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد من النظافة.
وقد ورد عن الإمام محمد عبده أنه قال أيضا شارحا حاله عند محاولة إصلاح الأزهر وكان يوجه كلامه إلى بعض زواره من مفكرى الغرب عندما التقوا به فى حجرة صغيرة الأزهر: "ها أنا ذا، كما ترونى، وحيدًا ليس لى من الأساتذة من يساعدنى، ولا من دعاة الخير من ينصرنى، أريد أن أعلم فى هذا الجامع شيئًا نافعًا بدلًا من هذه الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى التى هى أضر من كتبكم القديمة المؤلفة فى القرون الوسطى، ولكن هل أجد من يساعدنى على ذلك؟ وإن لم أجد فهل أفلح فيه وحدى؟"، هذه العبارات التى ذكرها الإمام عن تجربته الشخصية تعبر بشكل واضح عن الصراع بين الفكر العقلانى النقدى وبين الأغلبية المحافظة، وتؤكد أيضا مدى المقاومة العنيفة التى يواجهها كل من يدعو إلى إصلاح و تطوير الأزهر والخطاب الدينى".
ولذلك أقول لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أليس هذا هو الإمام محمد عبده الذى تذكرونه دائمًا فى بيانات هيئة كبار العلماء افتخارًا به و بفكره، فلماذا لا تستجيبون له ولدعوته لإصلاح الأزهر والمناهج الدينية التى أطلقها منذ أكثر من مائة عام؟ وهل تتهمونه كما تتهموننا بمحاربة الدين والأزهر.