مريم عيد
لقد نجحت الخارجية المصرية بالفعل فى نقل المشهد الوطنى والرأى العام المصرى إلى دول العالم على مستوى ساستها وقادتها ورؤسائها. إلا أن مخاطبة الرأى العام العالمى تحتاج إلى جهود ليس فقط وزارة الخارجية بمفردها، ولكن أيضاً إلى تضافر عمل وزارات الإعلام، والثقافة، والسياحة، والهجرة وشئون المصريين بالخارج، ومنظمات المجتمع المدنى، وفوق كل ذلك يحتاج الأمر إلى تكوين "لوبى" مصرى قوى وفعال، والمقصود باللوبى جماعات الضغط والتأثير.
إن كلمة لوبى تأتى من الكلمة الإنجليزية Lobby بمعنى ردهة فى مقدمة البيت، أو صالة الاستقبال فى مقدمة الفنادق، أو الدهليز الأمامى المفضى إلى المبنى، وقد نشأت الكلمة من الدهليز فى بداية مجلس العموم البريطانى، حيثما كان يذهب إليه البعض من الشعب الإنجليزى قبل دخول نواب الشعب إلى مبنى البرلمان لإطلاع نوابهم على مشاكلهم وقضاياهم ومناقشتها معهم، فاللوبى المصرى، أو جماعات الضغط والتأثير، سيكون مدخلنا إلى الرأى العام العالمى، والتأثير فى السياسة الدولية لصالحنا.
من أشهر اللوبيات الناجحة فى عملها اللوبى اليهودى فى أمريكا المعروف باسم "آيباك" والذى وصل إلى جعل كل مرشح رئاسى أمريكى يسعى لرضاء واستمالة وكسب الناخبين اليهود، كما أنه يحاول باستمرار كمؤسسات وكأفراد توجيه القرارات السياسية الأمريكية إلى ما فيه صالح دولة إسرائيل. يُذكر أن اللوبى الإسرائيلى لديه أكثر من 500 منظمة فاعلة داخل الولايات المتحدة وحدها ولها علاقات متينة ومتشابكة مع دوائر صنع القرار السياسى، والتأثير على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
دولة إسرائيل على اختلاف اتجاهاتها السياسية، بين يمين ووسط ويسار، لها لوبى ذو اتجاه موحد ألا وهو صالح دولة إسرائيل. أما مصر فيدور فى فلك سياستها الخارجية لوبى مثل الأسلحة الفاسدة فى حرب 48 يسدد الضربات إلى وطنه، لوبى مضاد ومناوئ للمصلحة الوطنية، لوبى إخوانى مدعوم قطرياً.
ينبغى تكوين لوبى مصرى ليعلو صوته الوطنى فى الخارج، ويكون منظمات رأى عام عالمى فى صالح مصر ولخدمة قضاياها الوطنية. يجب أن يعرف العالم أن الشعب المصرى قد وضع بالفعل قدميه على طريق الديمقراطية، فالديمقراطية تُعرف بأنها "حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب". إذاً الديمقراطية ليست فقط مجرد اختيار من بين متعدد، ولكنه اختيار موثوق منه يدرك الشعب جيداً أنه فى "صالحه"، ولأول مرة فى تاريخ مصر المعاصر لا يُفرض على المصريين اختيار أو تفرضه عليهم الظروف حتى ولو كان جيداً، ولكن منذ أيام محمد على لم يختر المصريون حاكماً يجمعون عليه مثلما اختاروا فى الثلاثين من يونيو لأنهم أدركوا أن هذا فى "صالحهم" بالفعل ولهذا كان خيارهم ديمقراطياً.
لقد أحسن المصريون، مسلمون ومسيحيون، الظن من قبل بالإخوان لمدة عام كامل فوجدوا أن الأوضاع لا تتناسب مع عنفوان الدول وتعافيها عقب قيام الثورات بل ستأخذهم إلى اتجاهات أخرى بعيدة زمانياً ومكانياً، فالأوضاع تزداد سوءاً، والطوابير تزداد طولاً، والظلام يزداد حلكة بدون كهرباء، والأمهات الثكلى يزداد ظهورهن على شاشات التلفاز، والدولة المصرية أعظم إنجازاتهم التى تجمعهم وتوحدهم منذ أيام الملك "مينا" تتفكك أمام أعينهم رويداً رويداً، وكأنها تعمل لحساب دولة أخرى تكيل لها.
لذلك كانت انتفاضة المصريين الشعبية فى 30 يونيو بعد أن علمتهم تجربتهم أن المسألة ليست قائمة على التمنيات، ولكنها مسألة إجادة اختيار، وهذه هى الديمقراطية بعينها فى تحقيق أهدافها لصالح الشعوب. فكان لابد من إنهاء تلك التجربة القصيرة والتى لم تكن أبداً ديمقراطية، وعندما لاح للمصريين فى الأفق سبيل للإنقاذ، وتأكدوا من قدرته وصدق نواياه لم يترددوا ثانيةً فى التشبث به، فما نيل المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً.
ينبغى أن يعلم "البرلمان الأوروبى" أن مصر فى درئها للإرهاب، إنما أبعدت عنهم بالمثل شبح الإرهاب، وأنها باختياراتها الديمقراطية تكشر عن أنيابها لأعداء وسارقى الديمقراطية، وتوقف انتشارهم، وتمنع تصديرهم إلى الخارج، وفى هذا مصلحة مشتركة بيننا وبينهم ستفيد عمل اللوبى الوطنى.
تكوين لوبى مصرى هو فعل سياسى ووطنى وديمقراطى وسيكرس للعمل السياسى والعام والحزبى فى عالم أوشك على أن يكون برلماناً كبيراً. فى الستينيات كان يتم التشجيع على المجهود الحربى، فلنستبدل المشروع الوطنى الممتد الآن بدلاً من المجهود الحربى ليصبح اللوبى المصرى.
سيحتاج تكوين اللوبى إلى كيانات قانونية لعدة مراكز منتشرة فى أوروبا وأمريكا وكندا، ثم إلى رأس مال وطنى، وحكومى، وإعلام، وشبكات تواصل اجتماعى، وشبكات علاقات عامة، وخبراء، ودبلوماسيين، ورجال سياسة، ورجال قانون، ومفكرين، وصحفيين، وكتاب، ومطبوعات، ومترجمين مثقفين، فالمترجم الناجح لا يجيد فقط اللغتين، ولكنه لابد أن يعرف جيداً ويجيد قراءة ثقافة اللغتين.
بعد بدء عمل جماعات الضغط المصرية أو اللوبى المصرى سيمكنها استقطاب الكثيرين من المهاجرين المصريين، وعن طريق الأرباح، والتبرعات، ورواج الأنشطة والدوريات، ودورة رأس المال ستستطيع جماعات ومنظمات اللوبى المصرى الاستمرارية، وتربية كوادر جديدة لدعم الدولة المصرية، وصالح قضاياها بصفة مستمرة ودائمة، والعمل من أجل مصر فى كل زمان.