البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
قالت لي صديقتي: "ألا ترين أن مدح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للمسيحيين المصريين والإطراء عليهم هو نوع من الإثارة للفتنة الطائفية".

أجبتها: "كلا بالطبع، مدح أحد عنصري الوطن هو مدح وتقدير للوطن بأكمله، ألا تلاحظين أن إخوتنا المسلمين يفعلون مثل ترامب في الكثير من الأحيان، فعندما يتضح دين الشخص، دونما قصد أو ترتيب، أثناء الحوار، تجدينهم ينبرون بطيبة مصرية صادقة، نحن نحب المسيحيين، ونقدر صدقهم، وحسن أخلاقهم، وطيبتهم، وأمانتهم، وإذا كان الموضوع فيما يخص شئون الزواج والطلاق، تسمعين من يفتخر بعائلته التي ليس لديها أية سجلات مع حالات الطلاق، عيلتنا زي المسيحيين، مش بنحب الطلاق، لا يختلف هذا الكلام كثيرا عما قاله الرئيس ترامب، وإن كان يتم بصورة ودية وعفوية، وكنوع من المواطنة العملية، وليس بتصريحات رسمية.

يستحق الرئيس ترامب بالفعل الشكر على كلماته الطيبة، والتي صدرت في "اليوم القبطي العالمي" الذي يوافق الأول من يونيو من كل عام، وقد تم اختيار هذا اليوم لأنه مناسبة هامة كللت بها السماء هامة مصر، وهي ذكرى دخول السيد المسيح إلى أرض مصر مع عائلته المقدسة؛ السيدة العذراء مريم، والقديس يوسف وهو الفارس النبيل والجندي المجهول حيث لا توجد في بلادنا الكثير من الكنائس باسمه، في حين يحتفي به الغربيون بدرجة أكبر؛ والكثير من الكنائس والمؤسسات اسمها "سان جوزيف" أو "سان جوزيه".

كلمات الرئيس ترامب التي احتفت بالتراث، والهوية القبطية المصرية، لم تلق بالضوء على أخلاقيات المصريين فقط، بل أشارت إلى جزء عزيز من تاريخ مصر، ليته يذكر في كتب التاريخ مع كلمات الرئيس ترامب، بداية من دخول المسيحية إلى مصر والتي كلفت القائم بتلك المهمة حياته، إنه "القديس مرقس" أو "سان مارك"، وهو ثمن زهيد من وجهة نظره في سبيل القيام بتلك المهمة النبيلة، والتي كانت مقدمة لعصر من الشهداء، وصولا إلى شهداء العصر الحديث على يد تنظيم داعش الإرهابي على شاطئ ليبيا.

تقول الرسالة في إحدى فقراتها: "في اليوم القبطي العالمي، نحتفي بالإيمان الراسخ، والتقاليد العريقة، والصمود الاستثنائي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فمنذ أكثر من ألفي عام، لجأت العائلة المقدسة إلى مصر هربا من الاضطهاد، لتبارك أرضا غدت لاحقا موطنا لإحدى أقدم المجتمعات المسيحية في العالم".

وكان الرئيس ترامب قد ردد قبلا أن: "تقاليد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية العريقة نورا لجميع الأمريكيين، واليوم جدد كلماته بل تحولت إلى دعاء للشعب الأمريكي: "سائلين الله اليوم وكل يوم، أن تكون التقاليد القيمة لطائفة الأقباط الأرثوذكس نورا لجميع الأمريكيين، وأن يلهم تفانيهم الراسخ للمسيح أمتنا لتجديد محبتنا وإيماننا".

ونحن بدورنا نشكر الرئيس ترامب، كمصريين أولا وكمسيحيين ثانية، ونتمنى من كل قلوبنا أن يستجيب الله لصلاته، ونحب أن نقول له إن كانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مصدر إلهام للشعب الأمريكي، فإن أمريكا والأمريكيين هما أيضا مصدر إلهام للأقباط، وللعالم بأسره.

فالأمريكيون كما حافظوا على التقاليد الأوروبية العريقة فإنهم أيضا يمثلون إنطلاقة عبقرية ومنظمة جعلت الشمس تشرق في غرب العالم، ووجهت أنظار الجميع بإنبهار إلى الجزء الغربي من الكرة الأرضية.

تختلف السياسات، وتتوازى أو تتقاطع، لكن بعيدا عن عوالم السياسة وشئونها تظل السياسة الأمريكية ذاتها بآبائها المؤسسين مصدر إلهام ديمقراطى، وتظل أمريكا بثقافتها مصدر إعجاب وفخر لكل الإنسانية.

حتى الحاقدين، والخبثاء، والمعارضين، والمتآمرين يكنون إعجابا دفينا لأمريكا، الكل يحاول أن يكون بتقدم أمريكا دون أن ينال من تقدمها، لأن إخفاقها سيمثل إخفاقا لكل دول العالم.

ومن النواحي الروحية، فمن المعروف أن الأمريكيين هم من أكثر الشعوب الغربية تدينا، ونموذج الأسرة المسيحية التي تحرص على الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد للصلاة، والاستماع إلى العظة الأسبوعية لراعي الكنيسة المحلية، هو نموذج مشترك، ومن أوجه التشابه بين مسيحيي مصر ومسيحيي أمريكا، وأيضا الأيادي المتشابكة والكلمات التي ترفع لله على مائدة الطعام قبل تناوله في صلوات شكر قصيرة، وأسماء منتشرة في الغرب وأمريكا مثل "توني" و"أنتوني" هي مشتقات لإسم الأنبا أو الأب "أنطونيوس" مؤسس حياة الرهبنة، القائمة على تكثيف الصلوات والزهد في الحياة، والعيش بقلب أسد في قلب الصحراء، والذي قام بتصدير نظام الرهبنة المصرية إلى جميع أنحاء العالم دون أن يترك مصر، حتى تحولت الصحاري المصرية إلى مصدر جذب لأبناء الأمراء والنبلاء في أوروبا، ليعيشوا هناك متمثلين بحياته.

الخطاب الديني للرئيس الأمريكي لا يشتمل على أي نزوع للتفكير الديني، بعيدا عن أسس العلمانية أو التفكير العلمي، ولا ينطوي على أية غيبيات أو طائفية بغيضة أو أية مواعظ أخلاقية، إنما هو يعاود التذكير بأهمية دور الدين بوجه عام في حياة الأمريكيين، والإيمان بالله الذي يمنحهم المزيد من الإيمان بأنفسهم... ومرة أخرى، وأخيرا وليس أخرا: "شكرا سيادة الرئيس ترامب".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز