البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
أثناء تواجدي في البنك، رأيت العملاء جالسين على كراسيهم؛ بعضهم يضع ساقًا فوق أخرى، والبعض يضع ساقيه بجانب بعضهما، وكذلك الموظفون، فمنهم من يجلس بهذه الطريقة، ومنهم من لا يفعل. لا يعلّق أحد على الآخر؛ فليجلس كل إنسان كما يحب، رغم أنهم يجلسون بصورة أكثر قربًا وتلاحمًا من عربات المترو. فليس من عادات المصريين تلقين الآخرين دروسًا دون داعٍ.

الطريف أن المقطع الذي شاهدناه على مواقع التواصل الاجتماعي داخل المترو يُظهر بوضوح أن الفتاة لا تجلس بجانب الرجل الأكبر سنًا مباشرة، لكنه هبّ مذعورًا من مقعده، ليتقدم خطوتين ويُلقّن من تجلس في جواره القريب درسًا ليس في وقته ولا محله.

لم تكن الفتاة تجلس بجانبه، أو على مقعد أمامه يواجهه مباشرة حسب نظام جلوس المواصلات في القطار أو الأتوبيس أو الترام. كانت على مقربة منه فقط، وفي مرمى بصره، وأقل ما يوصف به هذا الفعل أنه «تنمّر» يرتدي ثياب حكمة الشيوخ وكبار السن.

يذكرنا هذا التصرف بالكثير من شكاوى فتيات صغيرات من صبية طائشين يوجهون لهن ملاحظات دون داعٍ، بهدف معاكستهن وفتح باب الحوار معهن فقط.

التعليق على الحادثة كان للأسف منصبًا على طريقة الجلوس، وهل من الأفضل الجلوس والساقان بجانب بعضهما أم إحداهما فوق الأخرى؟ مع أن هذا محض اختيار شخصي، وأمر نسبي يتعلق بالمكان والزمان؛ قد يجده البعض غير مناسب في وجود الرؤساء وكبار السن، وقد يراه آخرون مقبولًا إذا كان كبار السن من النوع الذي يتقبل ذلك. لكن الفتاة لم تكن في حضرة الرجل المسن من الأساس، ولم تجمعهما جلسة أو حوار مشترك؛ هي تجلس فقط على مقربة منه، لكنها ليست مُقرّبة منه.

البعض انبرى للدفاع عن الرجل بصورة غير منطقية. فهم يدافعون عن قضية لياقة أو عدم لياقة الجلوس في وجود كبار السن، وكأنه يمكن إصلاح خطأ ما بخطأ أكبر، لو كان هناك خطأ من الأساس، في حين أنها ليست القضية المطروحة بالفعل، بل القضية الأهم هي عدم لياقة تأنيب فتاة لا تمت للرجل بصلة، وبصورة علنية.

لم تتهم الفتاة الرجل، ولم تصفه بالمجنون، لكنها حكمت على الفعل ذاته بأنه ضرب من ضروب الجنون، والمقصود بالجنون هنا هو التطرف أو المبالغة غير المقبولة في التصرفات. هي لم تسبّه، ولم تقل له مباشرة: «مجنون». لكن كيف يمكن للرجل أن يحظى بكل هذا التأييد؟ أليست هذه ضبابية في رؤية القيم؟ وخلطًا بين أوراق اللياقة والفضيلة؟ ونواة مبكرة لجماعات «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخارجة على القانون، التي نشأت وترعرعت في دول أخرى وأصبحت خطرًا يهدد أمنها، وكان لها في بلادنا سابقة مقتل أحد الشباب أثناء تنزهه مع خطيبته؟

أحسّ الرجل بالبطولة الزائفة، وبأنه معلم الأخلاق الأول في وسائل المواصلات العامة، فانبرى بعد ذلك في تقسيم أخلاقيات الفتيات تبعًا لخطوط الطول والعرض، وظروف المناخ، ووادي النيل ودلتاه، ليعلّم الجيل الجديد السطحية في التفكير، بعد أن لقّنهم درسًا عمليًا في التدخل فيما لا يعنيهم، مما اضطر الفتاة إلى الدفاع عن نفسها بأنها تعاني آلامًا في الظهر تضطرها إلى ذلك، وكأنها في قفص الاتهام، وهي غير مجبرة على الدفاع عن نفسها، لكن ذلك زاد من تعاطفنا مع مأزقها.

البعض يريد أن تظل المرأة جالسة تحت مظلة ثقافة القطيع، لكن المرأة، مثل الرجل، تلقت تعليمًا وتهذيبًا، وتستطيع أن تتصرف بصورة سليمة، وتتخذ قرارات صحيحة، دونما تعليم أو وصاية في وسائل المواصلات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز