البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
بحث "أبو الهول" كثيراً عن تلك الفتاة المستنيرة، يقال إن مكانها الأصلي كان من المقدر له أن يكون في مدخل قناة السويس بمصر، لكنها استقرت أخيراً في ميناء نيويورك تحمل شعلة الاستنارة بإحدى يديها وبالأخرى تحمل دساتيراً، وقوانيناً، وكتابات لبنجامين فرانكلين، وتوماس جيفرسون، وجورج واشنطن، وملفات حقوق إنسان، فوجد ضالته المنشودة هناك.. أهداها "قلادة النيل" قبل قمة "شرم الشيخ" لأنها تملك مقاليد الكثير من الأمور وتستطيع أن تمد يد العون لتحقيق السلام، فبلادها "سوبر باور" أو قوة عظمى.

كانت بلاد أبي الهول أيضاً قوة عظمى منذ فجر التاريخ، كنا ذات يوم أمريكا في العالم القديم، في ذلك الزمان كانت مصر تخوض حروباً ليس بهدف العدوان الهمجي كما كان يحدث من بعض الحضارات البدائية القديمة، ولكن بهدف تأمين الحدود وتوسيع الإمبراطورية كان هناك "سلاماً مصرياً" Pax Aegyptiaca على غرار "باكس أمريكانا" Pax Americana أو السلام الأمريكي.. ومازال أبو الهول ينتظر صباح كل يوم أن تشرق شمس السلام على المنطقة.. ثم أتى يوم عرسهما سريعاً يوم افتتاح "المتحف المصري الكبير" بحضور قادة وزعماء وأمراء ودبلوماسيين من بلادها ومن جميع أنحاء العالم، حيثما يمكن للجميع أن يروه دائماً بجانب الأهرامات.
فبلاد أبي الهول هي فجر الحضارات، وفجر التاريخ، وفجر الضمير، أرض النيل والماعت، وموقع جغرافي عبقري يطل على بحرين، ويصل مابين قارتين.

الأطفال في بلاد أبي الهول لطالما تابعوا أفلام والت ديزني، وكانوا مغرمين بـ "توم آند جيري" منذ نعومة أظافرهم، والناس أيضاً من جميع أنحاء العالم شغوفون بمصر القديمة، وبمشاهدة الرسومات والنقوش الفرعونية، صار هناك هوساً بها Egyptomania.

العالم يشاهد المركبات الفضائية، وكيف جعلت أمريكا البشر يخطون فوق سطح القمر للمرة الأولى، وتمزقت قلوب هذا الجيل عندما كانوا أطفالاً لرؤية حطام السفينة Challenger بمن كانوا على متنها، كما تمزقت قلوب آبائهم لرؤية مقتل آل كينيدي، ومارتن لوثر كينج.

مجموعات أصلية بدائية، ومهاجرون من جميع أنحاء العالم أصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى، وتبوأوا أعلى المناصب بغض النظر عن الجنس أو الجنسية أو الدين بينما يقف كل ذلك أمامهم عائقاً في بلدان العالم الثالث، ورئيس من أصول غير أمريكية يصل إلى البيت الأبيض.

قد نختلف أو نتفق مع بعض سياسات أمريكا الخارجية، لكن مهما تحدثنا عن سلبيات أو مآخذ بشأن الديمقراطية الداخلية فهي مجرد نقاط في بحر الديمقراطية الأمريكية ودستورها الذي يكرس لحرية الرأي، وحرية التعبير. وسائل التواصل الاجتماعي كرست لديمقراطية المعرفة، وسهولة الوصول إلى كافة مصادر المعلومات، كما أن العالم أصبح برلماناً كبيراً لكل من يحب أن يدلو بدلوه في وسائل التواصل الاجتماعي. طريقة التعليم الأمريكية، ونظم الإمتحانات التي تستطيع أن تقيس بدقة مدى فهم طلاب العلم لمحتوى ما يدرسونه. أمريكا تمثل الشعب الطيب القلب، والوفرة، والكثرة، وصباح يوم حر، وخصب، ومبدع. الرفاهية والنجاح في الحياة المرتبطان بالحلم الأمريكي أصبحا من حق كل إنسان في العالم مهما كانت خلفيته الاجتماعية. أمريكا بالطبع كدولة عظمى حريصة على مصالحها، وعلى كل دولة أيضاً أن تكون حريصة على مصالحها، ولماذا لا يجيد الجميع التفاوض من أجل تعريف الآخرين بمصالحهم ومطالبهم، والتي يمكنها أن تتوافق في نفس الوقت مع مصالح الآخرين.

استمتعنا في مصر كما استمتع العالم بمشاهدة أفلام هوليوود؛ "ذهب مع الريح"، و"صوت الموسيقى"، و"الأب الروحي"، وأيضاً "أفاتار"، و"تيتانيك". وأحببنا أن نقرأ قصص "إدجار آلان بو"، وروايات "إرنست همنجواي، وكتابات " توماس ل. فريدمان".

لكن مازال أبو الهول ينتظر كل صباح سلاماً في الشرق الأوسط، وكما يقولون: "للسلم وقت، وللحرب وقت" فقد خاض العرب بالفعل حروباً مع إسرائيل. القتال كان مشروعاً في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، لكنه لو امتد به العمر كان بالتأكيد سيفتح باباً للسلم، ولقد كانت "مفاوضات روجرز" مؤشراً.

الحرب لها أدواتها من أسلحة وذخيرة، والسلم أيضاً له أدواته.. في السلم تتغير المفاهيم؛ فالقتال أو المقاومة في وقت السلم هو "مقاومة للسلم"... وأولى محطات السلم هي "التقبل"، فالتقبل يسبق "التطبيع". فعلى كل طرف تقبل وجود الآخر في حياته، والإيمان بحقه في الحياة، والوجود حتى يمكنه أن يطبع العلاقات معه.

فعنتريات الحروب وشعارات الجهاد ستُنشأ أجيالاً جديدة من الإرهابيين، وسنصحو كل فترة من الزمن على كارثة مثل كارثة 7 أكتوبر التي أدمت قلوبنا، كما أدمى قلوبنا أيضاً مشاهد تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

أتمنى بالطبع تحقيق "حل الدولتين" بمعنى أن تكون هناك دولتين؛ دولة إسرائيل، ودولة فلسطين، وليس دولة واحدة ذات قوميتين مثل كندا بقوميتها الإنجليزية الأصول، والأخرى فرنسية الأصول، وذلك لأنهما قوميتان مهاجرتان بالأساس وقد بدءا معاً واقعاً آخر في العالم الجديد. أما هنا في الشرق الأوسط فالأمر يختلف؛ ففلسطين كانت دولة ذات تاريخ، وسياسة، وسيادة، وعلم، وفن، وأدب لعدة عصور وحتى عهد قريب، ولا ينبغي إلغائها، وألا نحملها رفضها لقرارات الأمم المتحدة بالتقسيم لكي تبدو أمام العالم لفترة من الزمن وكأنها ضد الشرعية الدولية وضد وجود دولة فلسطينية مع أخرى إسرائيلية، وهو مانحلم به الآن مع الفلسطينيين.

ينبغي أن تظهر الدولة الفلسطينية إلى النور مهما طال الأمد، فأن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً، ولو حتى بعد مدى زمني ١٠ سنوات تنقسم إلى جدول زمني مدته ٥ سنوات بوجود مراقبين دوليين من الأمم المتحدة للتدريب على وجود سلطة فلسطينية مدنية، تليها ٥ سنوات أخرى تمهيدية لعودة دولة فلسطينية قادمة... وإلى أن تستتب الأمور، مازال أبو الهول ينتظر سلاماً في الشرق الأوسط، لكن انتظاره قد طال... أبو الهول وتمثال الحرية لن ينجبا بالطبع أطفالاً، لكنهما سينجبان شعوباً تنعم بالسلام، وتؤمن بثقافة السلام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز