مريم عيد
أليس هذا مظهرًا من مظاهر التفرقة العنصرية على أساس الجنس؟ إن الدستور المصري والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمنعان التفرقة على أساس الدين أو اللون أو الجنس.
لكل إنسان الحرية في ارتداء ما يُحب، لأن الملابس تُعبر عن شخصية الإنسان وذوقه وقناعاته الاجتماعية والدينية، ولا يحق لإنسان أن يفرض رأيه على الآخرين أثناء اختيار ملابسهم.
قد تكون الفتاة مُحجبة أو غير مُحجبة، وقد تكون الخامات جيدة أو غير ذلك. أما الموديلات فقد تكون مُعتادة أو شبابية أو محافظة أو كلاسيكية. قد تضيق الملابس على صاحبها عندما يزداد وزنه قليلًا، أو تزداد اتساعًا إذا خسر بعض الوزن. لكن في كل الأحوال هناك فرق بين حرية اختيارك لملابسك المبنية على رأيك الشخصي، وبين رأيك الشخصي ذاته، الذي لا يجوز أن توبخ الناس على أساسه في وسائل المواصلات العامة.
أتحدث هنا عن الموقف مُجردًا، وليس عن الجريمة وملابساتها ومدى ثبوت تهمة التحرش أو عدم ثبوتها. وإن كان ليس من الضروري أن يتم ذلك في الأتوبيس فقط، بل من المُمكن أن يكون الأتوبيس إحدى محطات مُسلسل ملاحقة الفتاة. لكن هذا الموقف، مُنفردًا، يُعد نوعًا من التحرش اللفظي.
فاض الكيل بالفتاة من الملاحقة المُستمرة، فأعلنت ضيقها وأبدت تبرمها. لم يطلب أحد من الركاب المتواجدين منها إيضاحًا، ولا من الفتى، ولم يهدئ أحد من روعها أو من روعه، بل تضامنوا معه مُباشرة، وحكموا على ملابسها، مع أن مظهرها الذي خاطبتنا به في وسائل الإعلام كان معقولًا للغاية ويشبه الكثيرات من المصريات: كانت ترتدي ملابس بأكمام طويلة، وتسريحة شعر طبيعية، وماكياجًا صباحيًا غير مبالغ فيه، ومظهرًا شبابيًا أنيقًا غير مُتكلف.
يُمكنك أن تُعبر عن رأيك في الملابس من خلال اختيارك لملابسك، لكن أن تُبدي رأيًا في ملابس الفتيات في المواصلات العامة، فهذا تحرش لفظي وعنصرية بغيضة.
العنصرية ليست لونًا أو دينًا فقط، لكنها قد تكون على أساس الجنس أيضًا. فلا تدلي الفتيات بآرائهن في ملابس الشباب، وهل يرتدون بنطلونًا من الجينز الضيق أو قميصًا بأزرار مفتوحة؛ فهذا محض اختيار.
وتوالت الاتهامات، ولُومت الفتاة أيضًا لأنها ركبت أتوبيسًا عامًا، وكأنهم أرادوا أن يسلبوها حقها في ركوب ما تشاء من وسائل المواصلات، خصوصًا بعد تحسن خدمة الأتوبيسات.
يقول دكتور جلال أمين في كتابه «ماذا حدث للمصريين؟»: «إن من رأى شوارع القاهرة في الأربعينات أو الخمسينات، حينما كانت وسائل المواصلات العامة من ترام ومترو وأتوبيسات عامة هي الطريقة الشائعة للانتقال من مكان لآخر، ثم يراها اليوم وقد اكتسحتها السيارات الخاصة...».
كما يذكر في كتابه أيضًا أنه لعقود تالية كان من الممكن أن تقابل أشخاصًا محترمين للغاية وهم يقرؤون الجريدة في الترام أو المترو، أو واقفين على محطة الأتوبيس ينتظرون وصوله.
حقًا، ماذا حدث للمصريين حتى أصبح ركوب المواصلات العامة أمرًا يُلام عليه أحد، أو يُفسَّر بأنه رغبة من الفتيات في الظهور وركوب «الترند»؟ لكن ما زال هناك دائمًا أمل، وليست الصورة حالكة السواد، رغم قتامتها. فمنذ عدة سنوات قُتل أحد الفتية الصغار لإلقائه اللوم على آخر لمعاكسته إحدى الفتيات. ربما ستلوم روح هذا الشاب القتيل البريئة مجموعة الرجال الأشاوس في الأتوبيس، أو المعلقين على صفحات التواصل الاجتماعي.
في واقعة «طفلة الشيبسي» التي تم تكريمها، كان تصرفها كريمًا ويستوجب المدح بصورة علنية بالفعل، لكن التكريم كان مبالغًا فيه بصورة كان مردودها عكسيًا ومهينًا بطريقة غير مباشرة، فكأن كيس الشيبسي هو أقصى ما يستطيع المصريون منحه لآخرين يحلمون به! بينما لاقت فتاة الأتوبيس تجاهلًا يماثل تجاهل جامع القمامة الأمين «شنودة»، الذي أعاد كيلوجرامًا من الذهب لأصحابه بعد أن وجده أثناء عمله في جمع القمامة.
عرضت فتاة الأتوبيس قضيتها بكل وضوح، وترتيب منطقي، وجرأة في مواجهة نفسها والمجتمع ومشكلتها. وربما سنراها إعلامية متميزة في المستقبل القريب.