مريم عيد
منذ أن أطل على المستمعين بالدراما الإذاعية الرمضانية حولها إلى متعة سمعية مشوقة، كما أن الدراما التلفزيونية، والتى بدأت أيضاً قوية بمسلسلات من إخراج نور الدمرداش، كانت تحتاج بعد ذلك إلى استمرارية وضخ دماء جديدة، وقد قام وحيد حامد بذلك بكل اقتدار فأعاد نجومية المسلسلات التليفزيونية لتصبح متألقة كأفلام السينما فى "أحلام الفتى الطائر"، أما السينما فقد جعلها تمتلك وعياً مصرياً جميلاً وعميقاً وطازجاً.
فعندما يكون الفنان مفكراً، ستجد أن قصصه ليست فقط حكايات عشق وغرام لكنك ستجد أيضاً الوطن وقضاياه فى عمق قصص المحبين وفى خلفيتها.
كان الكاتب وحيد حامد مهموماً بوطنه لكنه لم يحمل المشاهدين الهم والغم فى ميلودراما سوداء، بل أزاحه عن صدورهم بكشف الستار عنه، وإلقاء الضوء عليه، ومشاركتهم إياه.
فقد منح المواطن المصرى أدوار البطولة فى أعماله، وجعل منه نجماً واقعياً تكمن قدرته فى احتفاظه بقوته وصلابته وسوائه النفسى فى ظل كل ما يحاول إهدار كرامته من مشاكل وظروف وتحديات، لكنه يستطيع دائماً مجابهة مشكلاته، وساحة قتاله هى ميدانه الأسرى والمجتمعى، وواقعه الذى يبرز منه بطلاً حقيقياً بدون مبالغة أو ادعاءات.
فتجد أن "رضا" سائق التاكسى فى "الدنيا على جناح يمامة" يمتلك شهامة ونبلاً أخلاقياً لا يتوفران فى معالى الوزير "رأفت رستم"، كان وحيد حامد يجلس فى برجه العاجى ككاتب ومفكر مصرى كبير إلا أنه يستشعر بفكره الثاقب هموم كل المواطنين الحياتية والثقافية لامتلاكه حساً عالياً، وصدقاً فنياً مصرياً متميزاً.
قد يبدو التناول الفنى بسيطاً لكنه يحمل فى طياته فكراً عميقاً، ومعانٍ كبيرة لا يستطيع إيصالها بتلك البساطة والاقتدار سوى مثقف كبير وموهوب، ويمتلك ترمومتراً فنياً يستطيع رصد تغيرات المجتمع بكل دقة.
حتى أعماله التى تتناول موضوعات بوليسية مثل "آخر الرجال المحترمين"، فهى بوليسية واجتماعية محببة وليست بوليسية منشغلة بمن يكون الجانى فقط، لكنها منشغلة بالجانى وأبعاده النفسية والمجتمع وأحواله.
أتت أعماله فى الثمانينيات والتسعينيات فى وقتٍ لم يكن المجتمع أو السياسة يملكان الوقت أو الوعى أو الجرأة بعد على استشعار وتلمس أخطار الفكر المتطرف ومن ثم الإرهاب على المجتمع، فكان المصريون يواجهون ذلك فى واقع حياتهم اليومى فى مجتمعاتهم، ولم يحس بهم أو يدرك معاناتهم فنياً سوى وحيد حامد الذى جسد ذلك فى أعماله، كان البعض يغازلهم، والبعض يتودد إليهم، والبعض يكرس لهم، والبعض الآخر يتغاضى عنهم.
كان المواطنون يتعاملون مع الحياة التى وصل فيها الفكر المتطرف المفضى إلى الإرهاب إلى ذروته دونما أن يلفت أحد النظر إلى ذلك عمداً أو بدون عمد، قصداً أو بدون قصد، أو تناسياً أو تحاشياً أو خوفاً، ولكن استطاع وحيد حامد أن يقتحم البيوت بكل جرأة كـ "مارد درامي" مصرى فى مسلسل "العائلة" من بطولة العملاق محمود مرسي، وإنتاج عام 1994، ليشعر كل من عانى من مشكلات مع الفكر المتطرف والمتطرفين أن هناك شريك آخر لهم على المستويين الفكرى والفني، إنه ذلك المارد البشوش والحساس والوطنى والمصرى والصادق.
الفساد السياسى، وإساءة استخدام السلطة من قبل بعض الساسة اللذين كانوا قاسماً مشتركاً فى العديد من أعماله يعكسان مناخاً أصبح أكثر سماحة وديمقراطية فى نقد سلبيات كواليس عالم السياسة، فنجده ممتزجاً مع بعض مشكلات المجتمع كالبطالة والقهر والظلم المجتمعيين فى "اللعب مع الكبار" أو تردى الأوضاع البيئية والإنسانية فى "المنسى" و "دم الغزال"، أو وصم المجتمع أو بعضاً من أفراده المهتمين فقط بتسيير أمور حياتهم بالإرهاب بدون وجه حق فى "الإرهاب والكباب".
رؤية وحيد حامد الفكرية والفنية منحته قدرة على التنبؤ بمستقبل مصر فى المشهد الختامى لفيلم "طيور الظلام" حيث كان المحاميان: "فتحى نوفل" أو عادل إمام، و"على الزناتى" أو رياض الخولى يلعبان كرة القدم فى السجن ونتج عن تقاذف الكرة تهشم الزجاج فى إنذار مسبق، ورمز، وإشارة بأن مستقبل مصر فى خطر نتيجة للفساد السياسى الذى يمثله عادل إمام، والتطرف الدينى الذى يمثله رياض الخولي، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك ورأيناه فى وسائل الإعلام من تعاقب رموز النظامين السابق، وما قبله على زنزانات السجون والمحاكمات العلنية فى أعقاب ثورتى 2011 و 2013.
كان الحوار مع وحيد حامد فى المجلات والصحف المصرية التى تصدر باللغة العربية أو باللغة الإنجليزية ثرياً وكاشفاً لواقع المجتمع المصرى، وماذا حدث له، وما لحقه من تغيير خلال العقود الأخيرة. فكنت تجده حواراً شيقاً، وشاملاً لعدة جوانب ثقافية وسياسية وفنية.
حصل وحيد حامد على جائزة الدولة التقديرية فى 2008، وحصد عدة جوائز أخرى، وكان تكريمه الأخير والمتأخر فى مهرجان القاهرة السينمائى 2020، لكن وحيد حامد كان أكبر تكريم له هو فكره المتميز الذى يتضاءل أمامه أى تكريم.
فعندما يكون المارد مفكراً، وهادئ الطباع، وحسن الخلق، وثورى الأفكار، ومصرى الخاطر، وحداثى التطلع يكون هو الكاتب والسيناريست الكبير وحيد حامد، مارد الدراما المصرية ذات الوعى المصرى الصحو.