مـريـم عـيد
لكن كثر التحذير من فتح الأبواب للغرباء، أو لمندوبى المبيعات، أو حتى باعة الخضروات، فكان الخيار المطروح أمام الكثيرات هو فتح باب الشقة والتعامل معهم من خلال البوابات الحديدية، والتى كثر تركيبها فى أعقاب أحداث 25 يناير لكثرة الاضطرابات والفوضى واللصوص، على أن يقوم الباعة بترك أكياس المشتراوات من خضروات وفاكهة أمام البوابة المغلقة، ثم تقمن بالتقاطها بعد ذلك بقليل فور انصرافهم.
أصوات عربات جمع القمامة فى الصباح تصنع بعض الضوضاء، وأيضاً صوت صياح بائع الجرائد: "أخبار، أهرام، جمهورية، اقرأ المساء".. ربما لا توجد بخلاف تلك الأصوات فى الصباح أو خلال فترة الظهيرة أية أصوات أخرى يمكنها أن تقطع سكون هذا الحى الهادئ.
أما بقية اليوم فالهدوء والسكون يلفان المنطقة بأكملها لتبدو وكأنها بلا سكان، لكن فى كل بناية وتحديداً كل طابق يمكن لقاطنيه أن يميزوا أصوات فتح الأبواب المجاورة، وأصوات خروج ساكنيها فى الصباح لعملهم أو دراستهم وأصوات فتح وغلق أبواب المصعد الكهربائى، وأصوات عودتهم فى الظهيرة أو فى المساء.
العمارات فى مقدمة الحى وأول شوارعه تبعد أمتار قليلة عن الميدان الرئيسى، والذى يمكن رؤيته من شرفات تلك البنايات، على الرغم من تنامى أصوات مرور وضجيج السيارات إلى قاطنى ثالث العمارات من ناحية الميدان، والتى يفصلها عنه بعض أمتار، إلا أنها تشترك مع ما يحيط بها من بنايات أخرى فى ذلك الهدوء الذى يلف المنطقة.
المنور الداخلى لتلك العمارة متسع وغير ملاصق للحائط كما يوجد فى بعض العمائر، بحيث أن الشقق المتماثلة النموذج فى الأدوار المتتالية لا تطل فى نفس الدور على سكان آخرين ولكن كل شقة تطل على ذاتها فقط وتضم فى هذا الجزء منها مطبخاً وحماماً وإحدى الغرف.. المنور يبدو بارداً ولكنه الجزء الأكثر ضجيجاً فى العمارة، لكنه ضجيج مختبئ عن هدوء الحى، حيث تدفئه حميمية تقارب أصوات السكان وكأنه قد تحول إلى حى شعبى فى هذا الجزء.. تتركز أشعة الشمس على هذا المنور فى منتصف نهار كل يوم تماماً مثل معابد الفراعنة فى أيام الأعياد.
ربما إغلاق المنور قليلاً من أعلى لمنع تساقط مياه الأمطار، قلل الإضاءة بعض الشىء لكنه مازال رحباً.
تنبعث من المنور روائح الطبخ فى أوقات الظهيرة، وأصوات بكاء الأطفال، وبعض البرامج التليفزيونية، وتعلو أصوات الأغانى من الأدوار التى يسكنها مراهقون أو شباب.
ربما "عفت" فى الدور الثالث لا يصدر عن شقتها أية أصوات لأنها أرملة وحيدة تزوج جميع أبنائها وتسكن بمفردها.. لا يصدر عن مسكنها أية أصوات إلا حينما يزورها أولادها وزوجاتهم وأطفالهم أيام الجمع أو الأعياد.. بخلاف تلك الأيام يتنامى إلى مسامع عفت فى النهار والليل وعلى مدار اليوم ما قد يصدر من أصوات حتى أنها تميز فيما بينها وتعرف فى أى طابق يسكنون، أثناء جلوسها فى المطبخ لإعداد بعض الطعام يمكنها أن تسمع أصوات الأطفال من الدور الخامس، وصوت الطفلة الرضيعة التى أنجبوها مؤخراً، وأصوات الأغانى تأتى غالباً من الدور السادس حيث "سميح" الفتى المراهق ويقطعها صوت والده الحاج "عاصم" بين الحين والآخر طالباً منه خفض الصوت قليلاً، وصوت المهندس "حسين" من الدور الرابع يكثر بعض الشئ فى لوم زوجته السيدة "سميرة" وتأنيبها على إيثارها لأقاربها وتفضيلهم عليه وعلى أقاربه، وهى من جانبها لا تتوانى بالطبع فى الدفاع عن نفسها.
أما الدور الثانى فيتعالى منه فى هذه الأيام صوت "فريدة" وحيدة أبويها قائلة بحدة ورقة: "لأ بقولك إوعى تيجى هنا، وخليكى مكانك أحسن".. بالتأكيد هى تتحدث مع والدتها لكن لماذا كل تلك الحدة! فى مقابلاتها معها بالصدفة على سلالم العمارة أو أثناء المرات المحدودة التى تبادلت فيها الزيارة مع أسرتها كانت فريدة تبدو مهذبة، وهادئة الطباع، لكن منور العمارة كشف لها متأخراً شخصية فريدة الحقيقية، فهى حادة الطباع وشكسة مع والديها وخصوصاً والدتها.. فكرت فى أنه ربما تكون حدة طباعها هى السبب فى تأخر زواجها حتى الآن على الرغم من أنها على قدرٍ من الجمال، بعد حوالى ساعة تعاود فريدة الصياح: "خليكى قاعدة، بقولك ما تجيش هنا، استنى، خليكى" فلماذا لا تريد التحدث مع والدتها أقرب الناس إليها لماذا تريد إبعاد والدتها عنها دائماً بينما تعامل الكل بلطف ورقة، لابد أنها تحمل قدراً كبيراً من "الإزدواجية".
بعد أن فرغت عفت من إعداد طعام الغذاء الذى سيكفيها مرتين هذا الأسبوع، خرجت من المطبخ واتجهت إلى الليفنج، غرفة المعيشة البعيدة عن منور العمارة والمطلة على الشارع لتتابع المسلسل العربى.
عفت تجيد اختيار المسلسلات المعادة، ولا تتابع أكثر من مسلسلين، وقع اختيارها على مسلسل "الملك فاروق" للميس جابر، فعفت ترى الملك فاروق شخصية جدلية لأنه عندما تولى حكم مصر كان سنه صغيراً، وكان ينقصه بعض الخبرة فى عالم السياسة، لكنه فى ذات الوقت كان ملكاً بالوراثة، فى زمانه كان الكثيرون يحبونه من كبار السن فى أسرتها ميسورة الحال، لكن بالطبع كان لابد أن تقوم ثورة 1952 فلا يستطيع أحد إيقاف الثورات الوطنية، والأيام دول.
بعد أن انتهت الحلقة قررت إعداد كوباً من الشاى إلى أن يحين موعد إذاعة مسلسل "الاختيار" بعد أن كانت انتهت من إعداد طعام الغذاء فقد اعتادت على الطبخ مبكراً منذ أن كانت مديراً عاماً وقبل إحالتها على المعاش. أثناء صبها للشاى، جاء صوت فريدة كالمعتاد: "من فضلك ابعدى".
مرت عدة أسابيع ومازال صوت فريدة يأتى محتداً ضمن بقية الأصوات المسموعة لعفت.. رن جرس الهاتف فى مساء أحد الأيام لتخبرها إحدى الجارات بوفاة شقيق السيدة "سعاد" والدة فريدة فى الإسكندرية منذ عدة أيام إثر أزمة قلبية مفاجئة.. فى ظهر اليوم التالى ارتدت عفت ملابس سوداء، ونسقت هندامها سريعاً أمام المرآة، ثم هبطت بضع درجات للسلم لتكون بالدور الثانى، ضغطت على زر الجرس، فتحت السيدة سعاد الباب بعد برهة وهى متشحة بالسواد ومرهقة العينين.. دعتها سعاد للدخول: "أهلاً مدام عفت، اتفضلى" صافحتها قائلة: "البقية فى حياتك"، وهمتا بالدخول إلى حجرة الصالون المقابلة لكن عفت أشارت عليها بالجلوس فى ردهة الإستقبال الأمامية فهى ليست غريبة، وقد دخلت بيتها من قبل عدة مرات لكن مشاغل الحياة تمنع من التواصل الدائم، وجلست عفت على أقرب كرسى أنتريه لتحسم الموقف فجلست سعاد بجانبها على الكرسى المقابل وتبادلتا الحديث عن مآثر الراحل وملابسات الوفاة، وامتد الحديث وتفرع إلى موضوعات جانبية عن احتمالية رفع قيمة الإيجارات القديمة.. لاحظت أن سعاد تنصت إليها مصغية وتطلب منها تكرار بعض ما قالته للتو، مما يضطرها إلى رفع صوتها قليلاً، لقد ضعف سمعها بمرور الأيام.
التفتت سعاد إلى الردهة الجانبية المفضية إلى الداخل فإذ بصوت فريدة يأتى: "من فضلك ما تقوميش، ما تتعبيش نفسك"، إضطرت عفت إلى إلقاء نظرة على الردهة الجانبية بحكم جلوسها بجوارها، فإذا بوالد فريدة الذى أصبح مسناً يتوكأ على عصاه، وفريدة ممسكة بيده الأخرى لإيصاله إلى باب دورة المياه، التفتت سعاد إلى عفت وقالت: "هكذا فريدة ابنتى لا تريدنى أبداً أن أخذ بيد والدها لأن قدماى تؤلمانى وتصر على أن تصحبه بنفسها فى جميع تحركاته، ألقت فريدة التحية من على بعد مُرحبة: "أهلاً تانت عفت".