البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
تعانى الصحافة بشكل عام، والصحافة القومية بشكل خاص فى مصر، من أزمة كبيرة بسبب تراجع الإقبال عليها، هذا التراجع يقابله زيادة كبيرة فى الإقبال على مواقع التواصل الاجتماعى، خصوصا تلك التى توفر للشباب الفرصة فى التعبير عن آرائهم وأفكارهم وأحلامهم.

كانت مواقع مشاركة الصور والمدونات قد انطلقت منذ عام 2002، وحظيت باهتمام محدود من الشباب، ثم تلا ذلك ظهور مواقع التواصل الاجتماعى، ومن أهمها موقع فيسبوك عام 2004، وموقع يوتيوب عام 2005، ثم موقع تويتر عام 2006، ورغم ذلك لم تحظ هذه المواقع بأهمية كبيرة لدى الشباب، ولم يلتفت إليها الكثيرون من المختصين، ولا العاملين بالصحافة والإعلام، سواء من قيادات الصحف أو العاملين بإدارات تسويق المؤسسات الصحفية، واعتبرها الكثيرون مجرد مواقع للتسلية والتعارف بين الشباب.

ومع اندلاع أحداث يناير عام 2011، ظهر التأثير الكبير لتلك المواقع على تجمعات الشباب، إذ لعبت دورًا كبيرًا فى تبادل الرسائل بين الشباب المشاركين فى الاحتجاجات، خصوصًا أولئك الذين لم يجدوا ما يعبر عن أفكارهم فى الصحافة التقليدية، ومع تراجع تأثير الإعلام الرسمى على المواطنين، باتت تلك المواقع هى المورد الرئيس للأخبار، لقطاعات عريضة من المواطنين، ما جعل الجميع يحرص على ارتيادها، فارتادها الشباب، وحتى كبار مسؤولى الدولة، أولئك الذين حرصوا على مخاطبة جموع المواطنين من خلالها.

وقع الجميع فى فخ مواقع التواصل الاجتماعى، وبدلًا من أن تحاول المؤسسات الصحفية تغيير مفاهيمها لاجتذاب القراء، سعت لاستخدام هذه المواقع المنافسة فى الترويج لنفسها، دون أى تغيير فى السياسات الإعلامية والصحفية لتلك المؤسسات، ودون أى محاولة لفهم أسباب انصراف الشباب عنها إلى تلك المواقع، ولتحقيق أكبر درجات جذب المواطنين لمتابعتها، أتاحت المؤسسات الصحفية محتوياتها بالمجان على هذه المواقع، ما أدى إلى تراجع كبير فى أرقام التوزيع، وزيادة انصراف القراء عن الصحافة التقليدية إلى صحافة السوشيال ميديا، تلك التى تجعل منهم نجومًا لامعين.

ذكّرنى ما سبق بمجلة الشباب التى كان توزيعها، يتخطى حاجز الــ 100 ألف نسخة شهريًا حين التحقت للعمل متدربًا بها، وكان ذلك سببه الرئيسى، كما تعلمت من الراحل الكبير الأستاذ عبدالوهاب مطاوع، هو أن المجلة كانت تعبر بشكل كبير عن ما يحتاجه الشباب، وكانت أبوابها تحرص على أن تفتح المجال لمشاركات القراء، الأمر الذى جعل الشباب يتسابقون للحصول على عدد منها، وكانوا يضطرون فى كثير من الأحيان إلى حجز الأعداد قبل صدورها، رغم العدد الكبير الذى كان يتم طباعته منها.

أزعم أن سياسات المؤسسات الصحفية فى التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى، لم ولن تساعد تلك المؤسسات على استعادة قراءها ومتابعيها مرة أخرى، بل على العكس أظن أن تلك السياسات ساهمت فى انتشار مواقع التواصل الاجتماعى أكثر وتعظيم أرباحها أيضًا، مقابل خسائر كبيرة ألمّت بالمؤسسات الصحفية القومية ذاتها، سواء فى قطاعات الإعلانات أو التوزيع، إذ أصبح بإمكان الشباب الحصول على كل ما يحتاجونه من أخبار وموضوعات، من مكان واحد وبالمجان، من مواقع التواصل الاجتماعى.

وأظن أن استعادة دور الصحافة يجب أن يبدأ من القارئ المواطن، إذ ينبغى على القائمين على المؤسسات الصحفية إدراك أن وظيفة الصحافة الأساسية، هى متابعة اهتمامات المواطن، وأن المواطن كان وسيظل هو نجم الصناعة، وأنها يجب أن تسعى إلى إرضائه، وإشباع رغباته بالمواد الصحفية الثرية والمفيدة له، وأنه فى ظل المنافسة الشرسة وتنوع مصادر المعلومات، وسهولة الحصول عليها فى زمن الإنترنت، فإن مهمة الصحافة تلك باتت صعبة للغاية.

وأعتقد أيضًا أن اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعى، للترويج للمحتوى الصحفى للمؤسسات الصحفية، هو أمر يشوبه الكثير من سوء التقدير، إذ كيف يعقل أن يلجأ أحد المنتجين لمنافسه للترويج لمنتجاته، وهو يفعل ذلك ظنًا منه أن المنافس سوف يدفع به للنجاح، وأعتقد أيضًا أنه على تلك المؤسسات أن تسعى جاهدة للخروج من فخ مواقع التواصل الاجتماعى، وأن تسعى لاجتذاب القارئ بمواد صحفية حقيقية، تشبع نهمه وحاجته للمعرفة، وتعيد له نجوميته التى سعى الكثيرون من العاملين فى الحقل الصحفى لانتزاعها منه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز