البث المباشر الراديو 9090
مـريـم عـيد
أعلن رئيس البرازيل "جايير بولسونارو" منذ عدة أيام إفلاس بلاده بسبب فيروس كورونا والإعلام، وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى وفاة برازيلى كل ست دقائق، متهما الإعلام بالوصول إلى هذا الوضع عن طريق ترويج الشائعات وترويع المواطنين.

فيروس كورونا أثر على اقتصاد البرازيل، والذى يعد من أفضل 20 اقتصادا فى العالم، إذ أصابه بالركود والعجز عن تقديم أى حلول لإنقاذه، مفضياً بالبرازيل إلى حافة الهاوية على حد تعبيره.

النمو الاقتصادى والتصنيع نقلا ملايين البرازيليين إلى المدن، ويضم اقتصاد البرازيل مزيجاً معتدلاً من اقتصاد السوق الحر والسوق الموجه، كما أن الانفتاح السياسى بها أدى إلى انبثاق مجتمع مدنى نشط من مجموعات شعبية، وجمعيات أهلية، وحركات نسائية، وخطة وطنية للتثقيف بحقوق الإنسان بمشاركة وزارة التربية والتعليم.

تتميز الحركات العمالية فى البرازيل بالنشاط منذ أوائل الثمانينيات وتكوين أحزاب واتحادات العمال التى أفرزت رئيساً للبرازيل "لولا دى سيلفا" من 2003 إلى 2010، وتستمد الحركات العمالية قوتها من علاقتها مع عمال المصانع بدلاً من رعاية الدولة، وتهدف مطالبها بالأساس إلى زيادة أجور العمال، وحقوق التفاوض مع الحكومات المتعاقبة.

من الغريب أن مصر لا تمتلك إلى الآن حزباً للعمال كما هو الحال فى الكثير من دول العالم، والذى من الممكن أن يضاف إلى إثراء الحياة الحزبية الحالية، من المعروف أن الرئيس جمال عبد الناصر قد حقق انتصارات كبيرة للعمال والفلاحين فى أعقاب ثورة 1952 وأدمجهم بنسب كبيرة فى الحياة البرلمانية وتمتعوا بقوانين التأمين الصحى والتأمينات الاجتماعية، فضلاً عن مجانية التعليم مع أبناء الموظفين، وتم إشراك العمال فى مجالس إدارات الشركات حيث كانت مصر تشهد ثورة صناعية، لكن تطور الحركات العمالية فيما بعد لم يكن على مستوى "الإرث الناصرى" ولم تهتم الحكومات التالية بمتابعة وتعهد ما ورثته من مكتسبات وطنية، لكن على العكس تم إهمال الصناعة ذاتها وأغلقت العديد من المصانع فى ظلال وجود نقابات.

فى الوقت الحالى بدأت الدولة فى استعادة ثورتها الصناعية مرة أخرى، وفى إصلاح أخطاء الماضى، وإحلال واستبدال فى إطار خطة التنمية الشاملة والمستدامة، بالطبع لا بد من إغلاق بعض الوحدات الخاسرة والإبقاء فقط على ما يمتلك بصيصاً من أمل، فإرث جمال عبد الناصر إرث سياسى وإنسانى ووطنى ملهم ومستمر، وليس إرثاً عقارياً، ولا تحده الاختيارات البناءة بل على العكس ستحيى بعضاً منه من بعد ممات، فلماذا التمسك والتشبث بما هو من الأفضل إحلاله واستبداله.

على سبيل المثال مصنع سماد طلخا، وهى مدينة مهمة مجاورة لمركز المنصورة وتتعرض لتلوث مستمر من قبل المصنع: مخلفات سائلة تلقى فى المجارى المائية، ومخلفات غازية منبعثة فى الهواء مثل الأمونيا واليوريا وحامض الفوسفوريك وحمض الكبتريتيك والميثانول ومركبات النترات والأكاسيد النيتروجينية والكبريتية، وكان قد تم تقديم طلبات إحاطة من نواب الشعب منذ عدة سنوات بشأن ضرورة إبعاد مصنع سماد طلخا عن المناطق السكنية ونقله إلى المناطق الصناعية.

سيتم نقل معدات مصنع سماد طلخا إلى شركة النصر للأسمدة بالسويس حيث كان موقعه الأصلى قبل التهجير فى أعقاب 1956 مع الاحتفاظ بمجموعة كبيرة من العمال وتعويض كل العمال الباقين بجميع حقوقهم الوظيفية ومضاعفة الجزاء وتعويض العمال بما لا يقل عن خمس أو ست سنوات من الأجور، كان من الممكن لنقابات العمال التدخل للمناداة بتعويضات أكبر بدلاً من التدخل فى مخططات الدولة لتطوير الصناعة، فمن الممكن أن يحدث هذا مع مساجد وكنائس تعترض طريق الدولة فى العمران أو فى إقامة مشروعات جديدة، وبالطبع من غير الممكن اتهام الدولة فى هذا الوقت بهدم القيم الدينية كما يميل البعض إلى المغالاة.

الاقتصاد المصرى الآن من بين الاقتصادات القليلة فى العالم التى حققت معدل نمو 6.3% فى ظل حدوث انكماش إثر أزمة انتشار وباء كورونا المستجد وذلك لتنوع قطاعاته وقدرتها على استيعاب الصدمات، بل كان لمصر قدرة على التصدير فى تلك الفترة وإكساب منتجاتها ميزات تنافسية فى الأسواق العربية والعالمية.

كما حقق طفرتين هائلتين إحداهما فى مجال الإسكان بتنوع المشاريع السكنية فى كل مكان لتصل إلى توفر مسكن لكل مواطن كما أشار الدكتور مصطفى مدبولى فى شرحه التوضيحى أثناء افتتاح مشروع "الفيروز" للاستزراع السمكى بشرق التفريعة بمحافظة بورسعيد إلى كلمة المفكر المصرى جمال حمدان فى الجزء الأول من شخصية مصر: "إن التعمير هو التمصير".

طفرة أخرى أيضاً فى مجال النقل والمواصلات تشهدها مصر أدت إلى تيسير حركة تنقل المواطنين فى كل مكان على أرض مصر، وتحديث منظومة النقل بأكملها فى تصنيع قاطرات وسيارات وأتوبيسات فى مصانع مصرية طبقاً لأحدث المواصفات العالمية، بل وصلت تلك الطفرة إلى آفاق عالمية توصل شرق مصر بغربها بالتعاون مع شركة سيمنز.

ويستمر إصلاح الدولة المصرية لأخطاء ما سبق من حكومات فى عهود سابقة بمبادرة الرئيس "مشروع تطوير الريف المصري" الذى يشمل 4.500 قرية، فمن المعلوم أيضاً أن ثورة 52 بالإضافة إلى تطبيق قوانين الإصلاح الزراعى وتحويل الفلاحين من أجراء إلى ملاك، قامت باستخدام ما تم مصادرته من مجوهرات أميرات الأسرة المالكة فى بناء مدرسة ووحدة صحية بكل قرية وهو ما ذكره الزعيم الراحل خالد محيى الدين فى كتابه "الآن أتكلم" واضعة بذلك أساساً وطنياً عظيماً لتقوم الأجيال التالية بإكماله، لكن ماذا فعلت الحكومات فى العهود المتتالية للحفاظ على هذا الإرث وتنميته وتمديده نحو المستقبل!؟ تدهورت أحوال الريف المصرى وتردت أوضاعه وتحول من ريف منتج إلى ريف مستهلك.

يهدف المشروع الحالى إلى تطوير البنية الأساسية الكهربية للريف المصرى، وتحسين أحوال المعيشة فى القرى المصرية، كما أن الجميع مدعوون للمشاركة وإبداء الرأى.

طفرتان وزاريتان فى مجالى الإسكان والنقل، وثلاث رؤى رئاسية فى مجالات الثورة الصناعية، وتنمية الريف المصرى، ومعالجة البحيرات المصرية مما أصابها من تلوث وتجفيف وإهدار فى إطار التركيز على الاهتمام بالثروة السمكية، جميعها إصلاحات مكثفة لأخطاء الماضى ستؤدى إلى إرساء أسس الاستقرار الاقتصادى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز