البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
شاهدت للمرة الثانية باستمتاع شديد فيلما أمريكيا بعنوان "صلب جدا" أو "Real Steel"، ويقوم ببطولته الممثل الشهير هيو جاكمان، صاحب دور لوجان فى سلسلة أفلام ولفرين والمتحولون.

حقق الفيلم الذى جرى عرضه فى أستراليا والولايات المتحدة وكندا عام 2011، ما يقرب من 300 مليون دولار، وتم ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل مؤثرات بصرية فى حفل توزيع جوائز الأوسكار الرابع والثمانين، وهو من أفلام الخيال العلمى، ومن إنتاج وإخراج شون ليفى، ومقتبس من القصة القصيرة "ستيل"، التى كتبها ريتشارد ماثيسون عام 1956، وتخيل فيها أن مستقبل رياضة الملاكمة سيستخدم تكنولوجيا الرجال الآليين المتطورة، حيث سيتم استبدال الملاكمين البشر بالروبوتات الضخمة المزودة بالتحصينات الدفاعية ونظم الذكاء الاصطناعى.

تدور أحداث الفيلم حول شارلى كينتون، الذى يحترف ملاكمة الرجال الآليين، وينفق ما يملكه على تطوير الروبوتات الملاكمة، لكنه يخسر دائما، وهو فى تنقلاته يصطحب ابنه الصغير ماكس، والذى يرغب دائما فى أن يحذو حذو ابيه بلا جدوى، بسبب أن الأب لا يستمع إليه لأنه لا زال صغيرًا، يعثر الصبى الصغير على رجل آلى ملقى فى منطقة نفايات بالصدفة، ويقرر أن يشارك به فى نزالات الملاكمة مع الرجال الآليين، ولأن الروبوت المصمم أصلا للتدريب يمتلك بنية صلبة جدًا، ومزود بنظام لمحاكاة الحركات بصريًا، ويمكنه تلقى الأوامر، ينجح الصبى بالفوز بعدة نزالات غير متوقعة الأمر الذى يدفع الأب لمشاركته فى تلك اللعبة.

ويدور خلف تلك القصة صراع آخر بين الأب والابن، الأب الذى يمثل الحكمة والخبرة والحذر والخوف على الابن الصغير، والصبى اليافع الذى يمتلك الحلم والاندفاع والقدرة على المخاطرة والعند وعدم الانصياع للأوامر، يشتد الصراع بين الاثنين، ويضطر الأب للتخلى عن ابنه وإعادته لأمه، خوفًا عليه من تلك الحياة الخطرة، بعد أن يتعرض كليهما للضرب وسرقة أموالهما من بعض المنافسين، لكنه سرعان ما يشعر بالخسارة الكبيرة، بفقدانه صحبة الابن وأحلامه التى كانت تمنحه طعمًا آخر للحياة.

يعود الأب لابنه شارحًا له مخاوفه ويطلب منه أن يمنحه فرصة ثانية، خصوصًا وأن الابن نجح فى اقتناص مباراة تحدى أمام بطل العالم للملاكمين الآليين، تلك الفرصة التى تشكل تحديًا مستحيلًا، لا سيما مع الفرق الشاسع بين إمكانات روبوت الابن "آتوم"، والروبوت بطل العالم "زوس" الذى يمتلك أحدث نظم الذكاء الاصطناعى والقوة المدرعة، لكن الأب الذى يمتلك الخبرة ينجح بمعاونة ابنه الذى يمتلك الحلم والمخيلة، فى انتزاع نصر غير مكتمل بعد فوز "زوس" على "آتوم" بالنقاط فى الجولة النهائية، بعد أن كاد يخسر أمامه لولا صافرة الحكم، لكن الجمهور يعلن أن "آتوم" هو البطل الشعبى الذى استطاع أن يهز عرش "زوس" بكل ما يمتلكه من قوة.

فى هذا الفيلم يأتى ذلك المشهد الرائع والمؤثر جدًا، الذى يصور ذلك الحماس الذى يشعر به الأب والابن والحبيبة معًا أثناء النزال بين الروبوتين، وحتى بعد أن تعطل نظام تلقى الأوامر الصوتى للروبوت "آتوم" ويشعر الأب أن الأمر قد انتهى، وأنه لا فائدة من استكمال النزال، إلا أن الابن الذى يمتلك المخيلة والحماس والرغبة العارمة فى الفوز، يُبطل نظام الأوامر الصوتى، وينّشط نظام المحاكاة البصرى، ويدفع بالأب إلى أن يقود أتوم فى النزال فى مشهد رائع يرقص فيه كينتون وهو يلاكم "زوس" من خارج الحلبة، ليوسعه ضربًا ويناوره فى مشاهد تخطف الأبصار، وتظهر لنا الكاميرا فى تلك المشاهد دموع الابن الفرحة بأبيه المثل والقدوة.

يُبرز هذا الفيلم الصراع بين الأجيال، ويشرح كيف أن الخوف والحذر من المخاطرة وحرص الآباء على الأبناء، قد يقف عقبة فى سبيل تحقيق الأحلام، لكن التوافق والتفاهم سيؤدى حتمًا إلى نتائج مبهرة، وستكون أحلام الأبناء سهلة التحقيق إذا تم صقلها بخبرة الآباء، هذا الأمر ينبغى أن يفطن إليه صناع الدراما فى مصر، إذ إن الأمر هنا يتعلق ببناء الوعى لدى الأجيال المختلفة، وضرورة التناغم والتكامل بينهم من أجل بناء مستقبل أفضل، وهو أمر لن يمنع أبدًا الإبداع الدرامى كما قد يظن صناع الدراما الحاليين، بل ربما يفتح لهم آفاقًا جديدة من الإبداع، بل وقبول المشاهد لما يقدمونه من فن أيضًا بعد أن سأم الناس من الدراما المكررة.

 
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز