مريم عيد
يذكرنى الدور الذى قام به الدكتور ثروت عكاشة فى المشهد الثقافى المصرى بدور مشابه للجنة "ماسى" فى الحياة الثقافية الكندية، فأصدرت اللجنة تقريرها التاريخى فى 1951 وكان رئيس الوزراء لويس سان لوران، دعا إلى تشكيل لجنة ماسى أو اللجنة الملكية لتنمية الفنون والآداب والعلوم فى 8 إبريل 1949 برئاسة فنسنت ماسى، لدراسة إلى أى مدى يمكن للفنون أن تعزز الإحساس بالهوية الوطنية والانتماء.
بعد أن قامت اللجنة بتقصى حالة الفنون فى طول البلاد وعرضها، واستمعت وناقشت الكثير من الآراء، أصدرت اللجنة توصياتها بضرورة قيام الدولة بدورٍ فى تنمية الفنون مما يتضمن ضرورة الدعم الفيدرالى لقطاعات واسعة من الأنشطة الثقافية عند طريق إنشاء مراكز ومؤسسات تمويلية تتمتع بالرعاية الحكومية، وتنمية هيئة الإذاعة الكندية "سى. بى. سى" وتوصيات بإنشاء مكتبة كندا الوطنية، والمجلس الكندى للفنون، وأقرت المساعدات الفيدرالية للجامعات، وتحديث الأماكن التاريخية بكندا، وزيادة تحفيز المبيعات الإبداعية بإقامة نوادى للكتاب، وتعيين جوائز وطنية للمبدعين، وتعتبر توصيات لجنة ماسى والتى سنتها الحكومة عقب ذلك هى أولى الخطوات التى اتخذتها الحكومة الكندية من أجل دعم الثقافة الكندية.
يتشابه هذا كثيرًا بدون قصد مع الدور الذى لعبه الدكتور ثروت عكاشة فى الحياة الثقافية المصرية، بعد ذلك بسنوات عدة فقط، فكان تطوير الحياة الثقافية يواكب أحدث التطورات حول العالم ولم يكن عنها ببعيد أو يفصله عنها 50 عامًا من الزمان، فلو تركت الأمور لمجرى الفروق الزمانية الحضارية لكان من الممكن أن تنتظر إنجازات تلك الفترة إلى أيامنا هذه، ونكون بذلك قد تخلفنا كثيرًا عن ركب الثقافة العالمية.
عالمية الثقافة تختلف بالطبع عن العولمة التى تمتلك وسائل وأدوات وتقنيات الانتشار والتواصل بين البشر، لكن عالمية الثقافة هى فى التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى والتى كثيرًا ما تحوى أعمالاً لأدباء وكتاب عظام قاموا بإثراء الحركة الفكرية العالمية، ومن الممكن والمفيد بالطبع ترجمة تلك الأعمال بالإضافة إلى قراءتها بلغتها الأصلية، ومن اللازم أيضًا فى نفس الوقت تشجيع أدبنا المتميز والوصول به إلى العالمية، وبذلك لن يمكن للعولمة بالطبع أن تفقدنا هويتنا الثقافية طالما نمتلك القدرة على التفاعل الإيجابى معها، فنحن جزء متميز منها، فالعولمة بجانبها السلبى لا تدفع إلى أن نكون ضد التطوير والتحديث، فكل دول العالم تتطور وتتقدم مع الاحتفاظ بخصوصياتها ومميزاتها الثقافية.
فالحضارة بمنجزاتها لم تعد كما فى القديم قاصرة على مجموعات ودول فقط مثل الحضارة البابلية أو حضارة العرب أو حضارة الرومان ولكن الحضارة أصبحت عالمية، يقال أحيانًا حضارة غربية، ولكنها لم تصبح فى الكثير من الأحيان غربية فقط بل أصبحت حضارة عالمية.
كما يتزايد التركيز ثقافيًا أيضًا فى نفس الوقت على "المحلية"، ولربما يعتبر هذا نوعًا من رد الفعل تجاه تزايد العولمة، ففى أوقات تصاعد النزعة القومية، كان يُنظر إلى المحلية كعامل فرقة، أما فى الحقبة المعاصرة عندما أصبحت الفروق الثقافية والقومية تتهددها العولمة، اكتسب التمسك بالمحلية بعدًا هامًا، فكما نعرف أن نجيب محفوظ استطاع الوصول إلى العالمية عن طريق الاستغراق فى المحلية بأدق تفاصيلها وحواريها وأزقتها.
فعندما يكون السياسى مثقفًا يستطيع أن يجعل الثقافة العالمية جزءًا من الواقع الثقافى المصرى، وكأنه يعطى الإشارة لتلك الفنون أن تخاطبنا بلغتنا كما تقول كلمات الأغنية: "تعرف تتكلم بلدى.. تعرف بالعربى تنادى.. نورك فى العالم يسرى.. يبقى أنت أكيد المصرى" حيث ينطلق صوت لطيفة من دار الأوبرا بقيادة المايسترو عمر خيرت، والذى اشترك معه المهندس أبوبكر خيرت فى تصميم مبانيها، وجاء ثروت عكاشة ليضيف إلى تألقها المزيد.
ثروت عكاشة فارس القوتين، فهو أحد أبناء القوات المسلحة وأحد أبطال ثورة يوليو 1952، وهو أيضًا فارس قوة مصر الناعمة التى لا يستهان بها أبدًا، فقد أنشأ دعائم معبد القوة الناعمة المصرية مستحضرًا مصر من أعماق التاريخ لتجدد حضارتها، وتجلس بأرواحها السبع ملكة متوجة فى محراب قوتها الناعمة، لتتفتح أعين المصريين، وتختبر أذواقهم أنهم يملكون فنًا متميزًا راقيًا على مر العصور يمكنهم من استشعار عصرهم.
أخذ ثروت عكاشة، على عاتقه مهمة بناء وجدان الإنسان المصرى، والذى يمتد آلاف السنين قاهرًا الفيضان ليحول همجيته إلى عالم الخصب والنماء، ومتحديًا عالم الموتى ليحوله إلى عالم الخلود، فكيف لمن فرض الفجر على ظلام العالم القديم ألا ينتقل بكل هذا الوهج والتألق إلى عالمه المعاصر وفنونه الرفيعة! فقرر المحارب القديم الحديث تشييد تلك الدعائم مرة أخرى فى عالم اليوم، فقام بإنشاء العديد من المؤسسات الثقافية مثل: المجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة للكتاب، وأكاديمية الفنون بمعاهدها الفنية، وفرق دار الأوبرا ومنها أوركسترا القاهرة السيمفونى، وفرقة الموسيقى العربية، ودار الكتب والوثائق القومية، والسيرك القومى، والعديد من المسارح، لينبثق من هذا المناخ شديد الملائمة العديد من المواهب الفكرية والفنية والأدبية والتى نتمنى تكرارها.