البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
انضممت لعضوية نقابة الصحفيين عام 1996 بجدول تحت التمرين، وهو العام الذى أعقب أزمة القانون 93 لعام، 1995 والذى تضمن مادة تجيز حبس الصحفيين احتياطيًا على ذمة التحقيق، كان النقيب وقتها هو الراحل الأستاذ إبراهيم نافع، وكان أيضًا رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام العريقة، ورئيسًا لتحرير جريدتها اليومية.

نشبت وقتها أزمة كبيرة بين الصحفيين والدولة بسبب هذه المادة، وانعقدت الجمعية العمومية لتطالب برفض القانون يوم 10 يونيو عام 1995 وظلت فى انعقاد دائم لحين حل الأزمة، ولأننى لم أكن من أعضاء أى من التيارات السياسية، كان الأمر جديدًا بالنسبة لى، وكنت أذهب لمقر النقابة يوميًا بعد انتهاء مهامى فى جريدة الأهرام ابدو الصادرة عن مؤسسة الأهرام، لأتابع الأزمة عن كثب.

كانت أجواء النقابة حماسية جدًا، وكنت استمتع بشغف شديد، بما يحدثه صخب الأعضاء القدامى من التيارات السياسية المختلفة، كان منهم الزميلة العزيزة بهيجة حسين الصحفية بجريدة الأهالى، والتى كانت تنتفض فجأة من سكون بجسدها الضئيل، وتهتف بقوة ضد القانون لتهز أرجاء قاعة النقابة، يشاركها الكثيرون ممن صرت أعرف وجوهم، وقد لا أعرف أسماءهم ولا انتماءاتهم، كان منهم النقيب الأسبق يحيى قلاش، والذى فاجأنى بهتافاته المدوية، وبطريقة لا تتناسب مع ملامح الهدوء البادية عليه، وعلمت وقتها أنه ينتمى لتيار اليسار، وأنه من أهم وأنشط النقابيين فى نقابة الصحفيين.

علمت لأول مرة أيضًا أن مجلس النقابة يضم أعضاء من كافة التيارات السياسية، من اليسار، ومن جماعة الإخوان المسلمين، و من الموالين للنظام السياسى، وهو أمر لم أفهمه فى حينه، لكننى فهمته بوضوح بعد ثورة يناير عام 2011، بعد أن نجح الإخوان المسلمين، فى الحصول على مقعد النقيب لأول مرة، واتضحت وقتها خطتهم فى السيطرة على الصحافة والإعلام وتلك رواية أخرى.

استمرت الأزمة واستمرت المجالس المتعاقبة فى محاولة إيجاد حل لها بالتفاوض مع الدولة، وأذكر أنه فى عام 1999 فاز بعضوية مجلس النقابة، الدكتور أسامة الغزالى حرب، وكان يرأس تحرير جريدة السياسة الدولية، وكنت قد انتقلت إلى جدول المشتغلين، وقتها قال لى، نحن نشكل لجنة لتقديم مقترح بتعديل مواد الحبس فى قضايا النشر، هذا المقترح سنقدمه للدولة، وأرجو أن تضم لنا كعضو من شباب الصحفيين.

انضممت بالفعل لهذه اللجنة التى ترأسها الرحل الأستاذ صلاح عيسى، وكان من أعضائها على ما أذكر الأستاذ أنور الهوارى، وأحد مستشارى مجلس الدولة الموقرين، والذى تبرع بمجهوده لمعاونتنا فى صياغة المواد المقترحة، وأثناء إحدى اجتماعات اللجنة، حضر الزميل صلاح بديوى من جريدة الشعب، وتوجه بصوت جهورى للأستاذ صلاح عيسى قائلًا: "عاوزين يحبسونا يا ريس" يقصد نفسه و الأساتذة مجدى أحمد حسين وعادل حسين، بسبب اتهامهما بسب وقذف وزير الزراعة الأسبق يوسف والى.

رد عليه الراحل صلاح عيسى قائًلا: طبعًا يحبسوكم، ما تكتبوه ليس صحافة وإنما "قلة أدب" يا صلاح، من قال إن النقد يبيح أن يوصف الوزير بأوصاف غير لائقة، والحقيقة أن هذه الواقعة علمتنى الكثير عن أسس الصحافة، وعن ضرورة التزام معايير المهنة فى كتابة مقالات الرأى، وأن هناك فارق كبير بين الصحافة والنشاط السياسى، وهو ما كان ومازال لا يدركه بعض الزملاء من التيارات السياسية المختلفة.

فى عام 2003 ترشح الأستاذ صلاح منتصر نقيبًا للصحفيين خلفًا للأستاذ إبراهيم نافع، وانتشرت الأخبار أن الأستاذ صلاح منتصر هو مرشح الدولة، وأنه جاء لاحتواء النقابة لإنهاء أزمة القانون 93، وتسبب ذلك فى أن انتخب الصحفيون جلال عارف، ليفوز بمقعد النقيب باكتساح، بعدها نجح جلال عارف فى الحصول على دعم غير مسبوق من الدولة غطى به عجز النقابة، واتجه لبحث مشكلات الصحفيين والمهنة والمؤسسات القومية واحتياجات النقابة، ليصبح أول نقيب مستقل يحقق مكاسب للصحفيين.

عادت هذه الذكريات إلى مخيلتى، بعد أن رأيت كيف يسعى المجلس الحالى، لتأجيل الجمعية العمومية، وما أثاره ذلك ويثيره، من تساؤلات الزملاء عن أسباب ذلك النزوع، وهل سببه الخوف فعلًا على صحة الصحفيين من جائحة كورونا، هؤلاء الذين تقتضى مهنتهم البقاء فى الشوارع، والاختلاط بالناس، أصحاء ومصابين فى كل الأوقات، أم أن لأعضاء المجلس الحالى مآرب أخرى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز