البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
لم يتبق أمامها سوى اليوم فقط فى القاهرة قبل عودتها إلى أمريكا، قررت أن تقضى ساعتين مع والدتها، جلست فى الحديقة الأمامية لدار المسنين بصحبة أمها.

الشمس المشرقة تزيد من تألق اللون الأخضر الغالب على الحديقة المزدانة بالزهور.. على مسافات متباعدة ومتقاربة كانت تجلس مجموعات أخرى من المسنين والمسنات تحت الظلال الوارفة، الجو يشع بالألفة والمودة والدفء والتفتح وكأنه يعوض ويعكس ما ينقص هؤلاء المسنين الذين أصبحوا الآن بمفردهم فى خريف العمر بعيداً عن أولادهم وأسرهم.

كم هى عجيبة أحوال هذه الدنيا؟! فبعد أن كانتا ترتشفان الشاى سوياً فى منزلهما، ترتشفانه الآن خارجة على أرض محايدة، لماذا؟ منذ عدة سنوات حاولت التمسك بأن تسافر أمها معها إلى أمريكا لكن الأم رفضت بحجة أنها ليست من النوع الذى يفضل الغربة ولا يمكنها التعايش معها.. أصوات العصافير المغردة من حولهما تعكس سيمفونية نبيلة من نوعٍ شاب تعزف خصيصاً لرؤوس غطى الشيب معظمها، وكأنها تذكرهما وتذكر المسنين فى المكان من حولهما بأصواتٍ كم ألفوا سماعها من قبل فى صباح أيام كان يجمعهم بأعز الناس إلى قلوبهم سقف واحد.

لماذا لم تصر على أن تصحبها أمها إلى أمريكا؟ لماذا تخلت عنها وخذلتها؟ كان يمكنها أن تصر وأن تتمسك برأيها كما كان يحدث فى الكثير من أمور حياتها.. لقد أصرت فيما مضى على خطبتها من زميلها فى الجامعة رغم معارضة أمها وأبيها، الذى كان لم يزل على قيد الحياة، ثم انتهى الأمر بفسخ الخطبة.. لماذا لم تتمسك؟، ربما لو تمسكت قليلاً بمجيئها معها لوافقت الأم.

لكنها فى كل الأحوال لم تكن صاحبة فكرة دخولها إلى بيت المسنين مثل شقيقها وأختها الأكبرين، كانت معارضتها لفكرتهما أكثر حدة من تمسكها بصحبة أمها لها إلى أمريكا.. أختها الكبرى لديها ثلاثة أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، وأكبرهم فى هذا الوقت كان فى الجامعة، فكيف سيمكنها رعاية أمها سواء بقيت بمفردها فى بيتها أو أقامت فى منزل الأخت الكبرى؟.. أمها نفسها كانت تفضل وجودها معها أكثر من بنتها الكبرى.. تعلم أنها تحبهم جميعاً، لكن أى إنسان قد يرتاح لصحبة بعض الأشخاص كما وبعض الأبناء أكثر من الآخرين.. ربما أختها الكبرى كثيرة الأوامر والنواهى لأولادها بصورة شبه مستمرة بخلافها هى وأمها اللتين تعشقان النظام أيضاً، ولكن طريقتهما أكثر حميمية ومودة ولطف.

أما أخوها الأكبر فيعيش منذ زواجه معظم الوقت وكأنه فى جزيرة منعزلة، فقد أخذه زواجه بعيداً عنهم بعض الشىء لانشغاله بعمله وأسرته، كثيراً ما كان يحل هو وزوجته وولداه الصغيران ضيوفاً على الغذاء فى منزل الأم، وكثيراً أيضاً ما كانوا يتمسكون بأن تظل الأم معهم لبضعة أيام، لكن قلت تلك العادات تدريجياً ولم تستمر حتى اختفت، وبمرور الوقت اتفق شقيقها مع شقيقتها على إقناعها بأن دار المسنين هى المكان الأفضل لإقامتها.

كانا يعتمدان على بقائها فى مصر، ويستشعران أن الأم تفضل صحبتها لأنها الأصغر، وبقيت مع أمها لفترة عقب زواجهما لتستأثر بكل حنان الأم، ورعايتها بمفردها حتى تزوجت.. فكانت أمهم عقب وفاة أبيهم تقضى بعض الأيام فى بيتها، وبعض الأيام فى بيت شقيقتهم الصغرى إلى أن سافرت إلى أمريكا، واستقرت هناك، فقرر الجميع دخول الأم دار المسنين.

زوجها لم يتدخل فى الأمر علناً، لكنه أقنعها على انفراد بأن إلحاقها بدار المسنين خيار أفضل لها وللجميع، فهى الآن لديها طفلة، والحياة مشغوليات وفى دار المسنين ستجد أمها الاهتمام والرعاية اللائقين.. ساعدها على تقبل الفكرة أنها لاقت استحساناً كبيراً من الأم التى رأت أن دور المسنين فكرة رائعة، وأشادت بأهدافها النبيلة، وبأنها مؤسسة رعاية اجتماعية جديرة بكل احترام، لكنها هى التى كانت شديدة المعارضة للفكرة فى بدايتها وتراها عقوقاً مقنَّعاً:

- دار المسنين علشان اللى مافيش ليهم حد، أو مافيش عندهم أولاد، أو المشردين، لكن ليه تروحى دار للمسنين وإنتى عندك أولاد!
- ده قرارى ومافيش حد أجبرنى عليه، أنا كبرت دلوقت فى السن، وبقيت مش زى الأول، وجودى هيضايق إخواتك.
- سعدية مشيتيها قبل كده مرتين، لو طلبناها ممكن ترجع.
- أنا مافيش فيا صحة زى الأول أتابعها، وأقولها اعملى وما تعمليش، دار المسنين أريح.
معاش والدى الكبير لم يترك لنا فرصة للتفكير فيمن الذى سيدفع إيجار دار المسنين الشهرى الذى اقترب من عشرة آلاف من الجنيهات لأننا قررنا أن تكون أمى فى غرفة بمفردها، وليست غرفة مزدوجة، لكنها هذه المرة حكت لى أن صداقتها توطدت كثيراً باحدى نزيلات الدار، والتى كانت قد عرفتنى عليها فى العام الماضى، فقررتا أن تقيما معاً فى غرفة مزدوجة، وبالطبع ستنخفض التكاليف إلى النصف.

عاتبتها على عدم موافقتها على المجىء للحياة معى وأسرتى فى أمريكا، فكررت نفس أقاويلها القديمة بأنها لا تفضل حياة الغربة، يكفيهم أنهم استضافوها فى أمريكا عدة أشهر ولعدة مرات عندما كانت أصغر سناً.. لكنها لاحظت أن أمها وهى تعتذر باسمة عن الاستجابة لطلبها وتكرر عبارة "معلهش مش هقدر أسيب الدار" كان صوتها مخنوقاً بعض الشىء ونبرته تحمل عتاباً مستتراً.. لكن مدح أمها الزائد للدار، وما رأته ولاحظته بنفسها من نظافة الغرف، واهتمام المشرفين جعلها تشعر أنها فى فندق للمسنين وليس داراً للمسنين.

لم يتبق سوى أربع ساعات على موعد الطائرة، عليها أن تكون فى المطار بعد حوالى ساعة من الآن، غمرت أمها بقبلاتها وأحضانها، وابتعدت إلى بوابة بيت المسنين وقبل أن تدلف من البوابة إلى الخارج ألقت نظرة من بعيد على أمها التى لازالت ترقبها عن كثب كعادتها وكأنها متنمرة، رفعت يدها لتلوح لأمها، وبادلتها الأم تلويح الوداع حتى غابت عن الأنظار.

فى غرفتها سمحت الأم لدموعها أن تنهمر بحرية بعيداً عن أعين ابنتها وشريكتها فى الغرفة، كانت تتكأ على عصاها وسمحت لجسدها أن يظهر تثاقله فى المشى أكثر من الخارج لأنها كانت لا تريد أن تبدو ضعيفة أمام الآخرين بأية صورة.

جلست فى مطار القاهرة الدولى منتظرة إتمام إجراءات السفر، لم تكن تفكر فى أى شىء سوى فى أمها التى كانت بصحبتها منذ قليل، أصبحت كل أفكارها فى تلك اللحظات مركزة على فترة طفولتها ثم مراهقتها وبدايات الشباب.. السندوتشات المليئة بالطعام التى كانت تعدها لها وتضعها فى شنطة المدرسة، ابتسامتها الطيبة التى كانت تجعل الحياة تأخذ الأمر بالابتسام، ذوقها المتميز فى نصحها لها باختيار ملابسها حتى أنها لم تكن تستطيع أن تلبس شيئاً إلا بعد استحسان أمها له، لقد تعلمت على يديها علم الجمال فى الأشياء وفى الأشخاص أيضاً، فكثيراً ما كانت تختلف معها عما إذا كانت فتاة ما جميلة فتقنعها بأنها ليست جميلة كما تعتقد، والعكس عندما كانت تحكم على إحداهن بأنها ليست جميلة فكان يمكن لأمها أن تقنعها بأنها على العكس "جميلة".. ذكرياتهما معاً أمام التلفاز تشاهدان مسابقات ملكات الجمال أو نشرات الأخبار أو تتابعان افتتاح الدورات الأوليمبية أو مباريات كأس العالم أو برامج التوك شو، سريرتها النقية وحكمتها فى الحياة.. لقد كانت دائماً أفضل صديقاتها، وها هى الآن تترك أفضل صديقاتها بمفردها فى مصر.

على متن الطائرة كانت لا تزل تجتر الذكريات وهى تفكر فى حياتها هناك، الكثير من جيرانها مثل مسز روز، ومسز جاميسون، ومستر جوناثان يقيم معهم أمهاتهم أو آباءهم. يعيش الأب أو الأم بينهم كطفل مدلل.. المجتمع هناك بصفة عامة يعاملهم كأطفال مدللين ويوفر لهم كل سبل الراحة الممكنة لمعيشتهم وتنقلهم. أليس الشرق معروفاً بروابطه الأسرية؟ لست أدرى، وها هى الآن تعبر ما بين سماوات الشرق وسماوات الغرب.. قطعت المضيفة حبل أفكارها وهى تسألها عن طعامها المفضل.. كانت المضيفة لطيفة وابتسامتها عذبة، ذكرتها بأمها، وصورها فى أيام شبابها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز