مريم عيد
فالسعودية سمحت للمرأة بقيادة السيارة منذ سنين، وباستخراج جواز سفر عند بلوغها سن 21 عامًا، ولا يتطلب ذلك موافقة ولى أمرها، ويسمح لها بالسفر دون اشتراط وجود محرم، علمًا بأن ذلك بالنسبة للعادات والتقاليد المحافظة لهذا البلد يعتبر هبوطًا فضائيًا للمرأة فى عالم القوانين.
أما تونس فتحتل المرتبة الأولى فى كسر الكثير من تابوهات العالم العربى، علمًا بأن القانون المدنى فى تونس يشترك فى صياغته شيوخ أجلاء، بالاشتراك مع مفتى الديار التونسية ذاته، ولكنهم هناك يملكون قراءة تقدمية للنصوص الدينية، واستعدادًا قويًا، وإرادة، وفكرًا، وعزمًا للاجتهاد فى تفسيرها.
يأخذنى ذلك إلى عنوان هذا المقال، والذى كان عنوانًا لمقال آخر لى بالإنجليزية، يشير إلى العمل الروائى الأكثر قراءة حول العالم للكاتبة الكندية الكبيرة مارجريت آتوود "حكاية الجارية" فى 1985، والتى ظهرت تتمتها فى 2019 بعنوان "العهود".
تنتمى الرواية إلى النوع الأدبى "الديستوبيا" وهو نوع تخيلى من الأدب يستخدم لسبر أغوار البنية السياسية والمجتمعية من خلال أجواء سوداء وكابوسية.
امتد تأثير هذا النوع الأدبى إلى أدب الأطفال من قبل فى سلسلة "هارى بوتر" لرولينج.
تحذر مارجريت أتوود فى روايتها بطريقة غير مباشرة من سيادة المجتمع الذكورى اجتماعياً وسياسياً. فيبدو أن كل المجتمعات تعانى من تلك المشكلة ويؤرقها هاجس تماديها وتفاقمها مع اختلاف حدتها بالطبع بصورة شاسعة.
تدور أحداث الرواية فى دولة افتراضية فى المستقبل تسمى "جلعاد" وفى قالب تخيلى عن تردى أوضاع النساء المكتسبة والحقوقية إذا ما بقيت المجتمعات الذكورية على ما هى عليه.
التحليل الدقيق للرواية يظهر أنه بخلاف البعد السياسى لليمين الدينى المتطرف، فمن ضمن أبعاد جمهورية جلعاد الهامة "مؤسسة الزواج"، والتى إذا استمرت فى تعنتها وفى الحفاظ على تقليديتها ستؤدى إلى أن تصبح المرأة مواطنة فى جمهورية جلعاد، لا قيمة لها سوى فى إنجاب الأطفال، أو بمعنى آخر ستصبح "جارية". ويشير اسم "جلعاد" المستوحى من الكتاب المقدس إلى استخدام المجتمعات للدين فى التكريس للثقافة الذكورية.
بعيداً عن عالم الرواية، وبالنظر إلى التغييرات المرجوة فى مواد قانون الأحوال الشخصية المصرى، فإن ما يتعلق بتنظيم شؤون الزواج والمتزوجين من الممكن أن ينظمه القانون بما يجنب المواطنين الوقوع فى أية مشاكل مثل ضرورة إعلام الزوجة بالزواج الثانى فالزواج من أسسه الإشهار، ومن غير المنطقى ترك الزوجة مغيبة عن واقعها وواقع زواجها. أيضاً من غير المقبول ضرورة قيامها بأخذ إذن زوجها السابق فى قراراتها بخصوص ابنها سواء نقله من مدرسته لأخرى أو استخراج شهادة ميلاد له فقد وصلت الأمور بهما قبلاً إلى نهايتها، وتم وضع حد لإستحالة تفاهمهما سوياً. بالإضافة إلى أن القانون يتناسى أن الطفل يعيش مع أمه، وليس مع جاريته، وهى أحرص الناس على مصلحته. مع أهمية تنظيم قواعد الرؤية والاستضافة بين الطرفين فى ذات الوقت.
بالعودة مرة أخرى إلى عالم الخيال، ولكنه فى تلك المرة خيال يرتكن إلى الواقع ومن الممكن تحقيقه. فمن الواضح أن تشريع القوانين فى مصر يمر بأزمات حقيقية ومتجددة.. امتلك حلماً تشريعياً مصاحباً لإتمام مراسم الزواج الإسلامية أو المسيحية بأن يكون هناك قانون مدنى للزواج لكل المصريين "يمنع تعدد الزوجات، ويبيح الطلاق" ولن يتعارض هذا مع الأديان، ربما لا يتطابق مع الأديان لكنه فى نفس الوقت لا يخالف الأديان، وفرق كبير بين "يماثل" و "يخالف". فالنص يضع تحدياً أمام المشرع فى العصور التالية باستحالة العدول بين الزوجات "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، وفى المسيحية يوجد مطلق الحرية فى الطلاق فى حالة "علة الزني" بمعنى الخيانة الزوجية المعيبة.
فى نفس الوقت فإن التطبيق الحرفى للنصوص متروك للمتدينين من جميع الأديان، الذين تحركهم التعاليم الدينية والتقاليد الفرعية. فمن مميزات مجتمعنا وعلى الرغم من ارتفاع نسب الطلاق بوجه عام فى مصر فى السنوات الأخيرة، إلا أن المصريين لا يميلون إلى تعدد الزوجات على الرغم من سماح القانون به. ربما لن يمر بحياتك نموذج تعدد الزوجات كثيراً سوى مرتين، لنموذج ربما من الريف، والآخر من بعض عالم المشاهير. أما فى حياتنا اليومية فمن النادر للغاية أن يصادفنا نموذج تعدد الزوجات. بالنسبة للمسيحين فى مصر أيضاً فإن ظاهرة الطلاق تكاد أن تكون أمراً استثنائياً نادر الحدوث.
أما بالنسبة للتعديلات فى مواد القانون الحالى للأحوال الشخصية، وأيضاً بوجه عام فأرى أن الأديان قدمت نماذجها فى الحكم على أمور عصرها بمنتهى الإنسانية، والإنصاف، والعدالة، ليس لتعلمنا أن نبقى ثابتين على نفس الموقف، ولكن لتعلمنا بالأكثر والأجدر كيف يكون الحكم على الأمور فى كل زمان ومكان، ثم تكاسل البشر عن الإجتهاد، بل أنهم أرادوا حصره فى مواقف معينة، وقصره على أشخاص بعينهم، وعجزوا عن استنباط أحكام موازية، ليست موازية للموقف ذاته، لكنها ينبغى أن تكون موازية لعدله وحريته وإنصافه فى عصره، فلم يكونوا هكذا فى عصورهم.
لقد كانت الأديان فى وقتها ثورات اجتماعية ضد الأعراف والتقاليد المتبعة مع مراعاة ما تواجد منها بالضرورة، وكانت الأكثر إنصافاً للمرأة، لم تكن الأديان وقت ظهورها منغلقة أو رجعية، أما الآن فقد أصبح الكثير من دعاة الأديان هم الأكثر تشدداً والأكثر سلفية.
فولاء الإنسان ليس للأنماط أو الأعراف الاجتماعية التى تتغير وتتبدل بتغير الأزمنة، ولكن ولاءه، ومبدأه الأول فى الحياة هو "الأمانة" لمثله وأخلاقياته.
إذا كانت التفسيرات الدينية تبارك الزواج، فهى تباركه كأمر مشروع وأخلاقى ومحبذ ومثمر، وليس لكى يكون ولاء الأنثى الوحيد فى حياتها هو لمؤسسة الزواج، لتعيش صباها تكرس نفسها فقط للإلتحاق بها، ثم تعيش بقية حياتها عقب زواجها مجرد أسيرة لها ولعالمها، ولا تدور إلا فى فلكها بينما ينبغى أن توكد أولاً كينونتها وذاتيتها.
كان الزواج بديلاً للمرأة فى الماضى عن التعليم، والعمل، وتقلد المناصب، والبحث العلمى، أما الآن فكلا المرأة أو الرجل يمكنه أن يحجم عن الزواج، يمكنه أن يتأخر به الوقت حتى يجد الشريك المناسب له، ومن الممكن أن ينتهى زواجه فى أى وقت، كما يمكنه أيضاً ألا يتزوج أبداً.
إذا كانت مصر قد امتلكت القدرة والجرأة على وضع نفسها فوق صهوة فرس التاريخ لتبتعد حثيثاً عن العصور الوسطى فى 30 يونيو، فكيف لا تمتلك صناعة التشريع فى مصر مقدرة موازية لتعبر عن ثقل مصر الحضارى عبر التاريخ على الرغم من أنها تمتلك بالفعل الكثير من القامات القانونية!