أحمد محمود
بالأمس، أقامت هيئة قناة السويس مؤتمرًا صحفى، عقده الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، أجاب فيه بمنتهى الشفافية عن أسئلة الصحافة والإعلام المحلى والدولى بإجابات محددة واضحة، وذلك لتوضيح الأمر بشكل مرتب وبهدوء شديد، وهو أمر أثار عدة نقاط غاية فى الأهمية، أولها أن هذا الحادث أظهر الاهمية الكبيرة عالميًا للمجرى الملاحى، وأوضح كيف أن العالم كله ينظر إلى هذا المجرى باهتمام بالغ رغم وجود بدائل أخرى له، لكنها أكثر كلفة وأقل أمانا أيضًا.
الأمر الثانى هو أن هذه الأزمة أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك، أن عملية توسعة مجرى القناة وازدواجه، كانت مسألة موفقة جداً، بل إن هذه الأزمة وتداعياتها ربما يجب أن تدفع الدولة، إلى التفكير فى تنفيذ ازدواج آخر لمداخل القناة شمالا وجنوبا، لتجنب مثل هذه الحوادث، تلك التى تحدث فى كل موانئ العالم ومجاريه الملاحية، وهى حوادث قد تتكرر فى القناة مستقبلاً أيضا.
الأمر الثالث هو أن هناك تغير كبير وملحوظ، فى التعامل الإعلامى لهيئات الدولة، إذ إن قيام هيئة قناة السويس بعقد هذا المؤتمر الصحفى فى أثناء الأزمة، يظهر بوضوح ادراك هيئات الدولة لأهمية الصحافة والإعلام، ومدى تأثيرهما على الرأى العام المحلى والعالمى، وكيف أن مصارحة الرأى العام بحقائق الأمور أولًا بأول، عن طريق الصحف ووسائل الإعلام، هو أمر يجنب الدولة الكثير من اللغط، ذلك الذى قد تثيره بعض الاجتهادات من غير المسئولين، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعى.
والحقيقة أن هذه الأزمة أعادت إلى ذاكرتى أول زيارة للمجرى الملاحى لقناة السويس، تلك التى نظمتها الهيئة مشكورة، لضيوف مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة، فى دورته السابقة عام 2019، تلك التى سبقت تعليق الأنشطة الثقافية بسبب جائحة كورونا، وكيف انبهرنا جميعًا بحجم الإنجاز الذى تم لتوسعة وازدواج القناة، وأذكر أنه فى أثناء إبحار القارب الذى يقلنا بالمجرى الملاحى، مررنا بجوار ناقلة بضائع عملاقة تشبه السفينة الجانحة و تحمل اسم "إيفرجولدن"، لفت انتباهى ضخامتها وكيف أن حجمها الضخم أظهر لى ضخامة الإنجاز فى توسعة القناة.
والحقيقة أنه لا ينبغى أن نقلل من حجم أى إنجاز لمجرد وقوع حادث عارض، إذ أنه دائماً ما تحدث أمور مثل تلك فى جميع أنحاء العالم، والمتابع لحركة السينما العالمية، سيجد أفلامًا ضخمة الإنتاج بُنيت على كوارث ضخمة، وليست مجرد حوادث بسيطة، مثل حادثة جنوح السفينة "إيفرجيفن"، من هذه الأفلام فيلم تايتانيك الشهير، وأفلام أخرى كثيرة، صورت جنوح السفن، وكيف يضطر البحارة للتعامل مع الأمر، وأنه أحيانًا تكون النتائج كارثية أيضًا.
أظن أن المشكلة الحقيقية فى هذا الأمر هو التعامل الصحفى والإعلامى، إذ أننا لم نرى حتى الآن تغطية صحفية أو إعلامية دقيقة من موقع الحادث، وهو أمر ينبغى أن يضع دائرة من الضوء، على مستوى الأداء المهنى للصحافة والإعلام القومى فى مصر، إذ خرجت معظم الصحف ووسائل الإعلام بموضوعات، نقلًا عن وكالات الأنباء الأجنبية، ذلك رغم وقوع الحادث على الأراضى المصرية.
على الدولة المصرية أن تخرج من هذا الحادث بدروس مستفادة، أهمها ضرورة التفكير فى تطوير مداخل أو مخارج القناة، وعمل ازدواج لها، وأن تفكر الهيئة جديًا فى إنشاء استراحات للسفن العابرة على طول القنال، يستخدمها البحارة فى حال اضطرت السفن للتوقف، وهو أمر سوف يزيد من دخل الدولة، خاصة وأن الوصول إلى قناة السويس، يكون بعد قضاء وقت طويل فى أعالى البحار.
على الدولة أن تعيد النظر أيضًا فى ملف الصحافة والإعلام المصرى القومى، إذ لا يعقل أنه بعد كل هذا الجهد الذى تم إنفاقه فى تشكيل هيئات الصحافة والإعلام، لازال التعامل الصحفى والإعلامى القومى يسير بطريقة رد الفعل، وانتظار البيانات الصحفية، بل وانتظار الوكالات والصحف الأجنبية والنقل عنها، حتى فى الأحداث المصرية الخالصة، تلك التى أظن أنه ينبغى أن ينقل فيها الغرب عن الصحف ووسائل الإعلام المصرية، وهو أمر من شأنه أن يقفل الباب أمام الاجتهادات والشائعات والإثارة غير المرغوب فيها.