البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
ليست مصادفة أن يتردد صدى تعليق الملاحة بقناة السويس فى أرجاء العالم، بسبب جنوح السفينة "ايفرجيفن" جنوب القناة، انتبه العالم إلى أهمية القناة للتجارة العالمية، وأنها أهم ممر ملاحى يربط الشرق والغرب بتكلفة قليلة وتأمين عالى وخدمات ملاحية عالية الجودة تقدمها هيئة قناة السويس لخبرتها الطويلة، والتى تخطت المائة وخمسين عاما، ولذلك كان منطقيا جداً أن تحتل أخبار القناة مكانة متقدمة فى اهتمامات وكالات الأنباء ومنصات الأخبار المختلفة.

لكن من غير المنطقى أن تتهم مصر بأنها تقوم بإدارة الأزمة بطريقة الستينات، وهو تشويه مخل للواقع، فمصر تختلف حاليا جذرياً عن تلك الفترة، دولة منفتحة تقدر التعاون الدولى، وتسعى لتعزيزه بشكل مستمر، وتتبنى خطاباً للتقارب بين دول العالم والتشارك فى تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة بالتعاون مع الأمم المتحدة.

واتخذت مصر منذ بداية الأزمة مجموعة من الإجراءات المتعارف عليها فى إدارة هذا النوع من الأزمات الفنية الصعبة فى مجرى ملاحى عالمى، والتزمت بالمنهج العلمى فى وضع سيناريوهات التعامل وفق المعطيات والمعلومات المتوفرة، وألزمت نفسها بالشفافية الكاملة فى الإعلان والإفصاح عن كل ما يتعلق بها.

ونقلت وسائل الإعلام العالمية عبر تقنيات البث المباشر كل عمليات التعامل المصرى مع الأزمة، وتعاونت مع شركات دولية متخصصة، من أجل حل الأزمة سريعا حرصا على حركة التجارة العالمية والعمل على تقليل تأثرها بإغلاق القناة.

وتشكلت فرق عمل داخل هيئة قناة السويس، وقامت الحكومة بتنسيق العمل بين كافة الوزارات والمؤسسات المعنية، لتلبية احتياجات الهيئة، وشاهدنا على سبيل المثال تعاون بين الهيئة ووزارة الزراعة، من أجل توفير علف لسفن كانت تحمل ماشية، وهو ما يشير إلى أن الهيئة كانت على تواصل مع كل السفن المنتظرة للمرور، وأنها كانت تعمل على توفير كل احتياجاتها وطلبات أطقمها والحرص على راحتهم خلال انتظار حل الأزمة.

وخلال المؤتمرات الصحفية التى عقدها الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، رحب بالتعاون مع كل دول العالم التى عرضت المساعدة، وتجاوب بإيجابية مع كل التخوفات، فيما أشادت الشركة الهولندية المتخصصة فى مجال الإنقاذ بالإجراءات التى اتبعتها الهيئة وسرعة تنفيذها لعمليات الحفر والتكريك ورهانها على ارتفاع منسوب المياه فى مرحلة المد لتعويم السفينة، وهو الرهان الذى أثبت كفاءته ونجاعته لإنقاذ السفينة.

وكان واضحا أن الهيئة درست كل السيناريوهات، حتى ما تطوع البعض بكتابته على وسائل التواصل الاجتماعى، وهو ما يؤكد انفتاح الهيئة على الجميع فى حل الأزمة واستعدادها لتنفيذ أى سيناريو.

كما أمر الرئيس عبد الفتاح السيسى بالاستعداد لتنفيذ السيناريو الثالث الصعب، والخاص بتفريغ حمولة السفينة، والذى يتطلب إغلاق القناة وقتا أطول، إلى أن تمكن المصريين من تحقيق المعجزة وتعويم السفينة الجانحة فى ستة أيام، دون اللجوء إلى السيناريو الصعب، باستخدام القاطرات التابعة لهيئة قناة السويس، وبمساعدة قاطرة هولندية استعانت بها القناة لمساعدتها.

وبالرغم من الخطأ البالغ الذى وقعت فيه وكالة رويترز، بنشر معلومة غير دقيقة عن عودة السفينة لوضعها قبل التعويم، وهو خبر محبط، كشف زيفه الإعلام المصرى بنقله المباشر للحدث، وفتح القناة للملاحة.

لكن رويترز كانت حالة فردية، فقد صدرت صحف غربية كبرى تشيد بانفراج الأزمة بأيد مصرية، وأن المصريين نجحوا فى حل معضلة فنية صعبة ومركبة فى المجرى الملاحى للقناة، ربما تحدث للمرة الأولى فى العالم مع سفينة بهذا الحجم، وهو تراكم مهم فى منسوب الثقة فى قناة السويس، وقدرتها على توفير مرور آمن لحركة البضائع المتنقلة من الشرق إلى الغرب والعكس.

أتصور أن وسائل الإعلام التى حاولت عقد هذه المقارنة الظالمة بين الستينات، والآن، عليها أن تراجع نفسها، وتعمل على إنضاج تفكيرها فيما يتعلق بما تشهده مصر من تطوير وتحديث فى كافة المجالات وفى قدرتها على حل أعقد المشاكل بأسلوب علمى يعتمد على كفاءة العنصر البشرى، فالإنسان المصرى تعرض لاختبارات صعبة عديدة على مر العصور، وأثبت خلالها قدرته على إنجاز ما ظنه البعض مستحيلا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز