البث المباشر الراديو 9090
الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
مصر تعيش لحظات دقيقة في خضم أزمة عالمية ضخمة تقود اقتصاديات الدول إلى التراجع، مضاف إليها حربا مشتعلة على الحدود في قطاع غزة أثرت بالسلب على قطاعات حيوية مثل السياحة وهجمات على الناقلات العابرة في البحر الأحمر وتأثيرها الخطير على عائدات قناة السويس.

لكل ذلك تأثيرات شديدة السلبية على قيمة العملة المصرية وهو ما تسبب في إشعال الأسعار، وموجات تضخم عالية يدفع فاتورتها المواطن المصري، وهو يعاني بالفعل من تأثيرات سابقة لفترة إغلاق فيروس كورونا، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية.

النظرة المتأنية على الخريطة والاطلاع على الأحداث يشير إلى أن مصر تقف في عين العاصفة بجوار جغرافي مشتعل بشكل غير مسبوق، فالإقليم يعيش حالة فوضى والصراعات والانقسامات تمزق دوله، والاتفاقات بعيدة بين الفرقاء سواء في السودان وليبيا، ثم يظهر التدخل الإثيوبي في الصومال، وهو ما يفرض على مصر التحرك لمواجهة التصعيد غير المبرر، بينما إسرائيل تدمر قطاع غزة وتحوله إلى مكان غير صالح للمعيشة من أجل تنفيذ مخطط التهجير القسري باتجاه مصر وإنهاء القضية الفلسطينية، وتحاول حكومة نتنياهو الهروب إلى الأمام وتجنب المحاكمة بتوسيع أمد وحدود الصراع، بإشعال حربا إقليمية واستدعاء أطرافا للصراع لإخفاء فشلها في القضاء على المقاومة الفلسطينية. 

وضاقت الحلقة حول مصر أكثر باشتعال البحر الأحمر وقيام الحوثيين بضربات على السفن العابرة، وهو أمر لم يستفيد منه أحد، بخلاف تسببه في إيذاء مصر والتجارة العالمية، حيث تأثر أهم مورد للعملة الأجنبية لمصر وهو قناة السويس تحت تأثير تراجع العبور في القناة، خوفا من الهجمات واشتعال الصراع بين الحوثيين والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

لا شك أن مصر تواجه تحديات مركبة، وكان من الصعب على أي مخطط أن يتنبأ أو يتوقع اشتعال كل تلك التحديات الجيوستراتيجية في وقت متزامن بشكل يحاصر الاقتصاد المصري، الذي يعاني بالأساس من فاتورة تضخم عالمي وصراع بين روسيا وأوكرانيا، وهما أكبر موردين للقمح، وتعتمد عليهما مصر بشكل رئيسي لتامين احتياجاتها، كما تلاحقها ارتفاع أسعار المواد البترولية من البنزين والسولار.

على خط النار تقف الحكومة المصرية منذ الإغلاق المصاحب لفيروس كورونا، وحتى اللحظة تحاول المناورة بكل أدواتها حتى اضطرت للجوء إلى صندوق النقد الدولي، حيث تتجه مصر للحصول على قرض جديد يمكنها من مواجهة التحديات الجسمية، واستعدت بمجموعة من الطروحات الحكومية، بالإضافة إلى إجراءات جديدة لإنعاش الأسواق وزيادة التنافسية بين المستثمرين، وهي الفرصة الكامنة في داخل التحدي الصعب والعنيف.

ولذلك استجاب مجلس الوزراء لمطالب مجتمع رجال الأعمال والمستثمرين ووافق في اجتماعه الأخير وأصدر اللائحة التنفيذية للقانون رقم 159 لسنة 2023 الخاص بإلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم المقررة لجهات الدولة في الأنشطة الاستثمارية والاقتصادية.

ونص مشروع القرار على أن حكم إلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم يسري على جميع الأنشطة الاستثمارية أو الاقتصادية التي تباشرها جهات الدولة "وحدات الجهاز الإداري للدولة، ووحدات الإدارة المحلية، والهيئات العامة القومية والخدمية والاقتصادية، والأجهزة التي لها موازنات خاصة، وكذلك الكيانات والشركات المملوكة لأي من الجهات المشار إليها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وأيا كان الشكل القانوني لها، وكذلك الكيانات والشركات التي تساهم أي من تلك الجهات في ملكيتها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أيا كانت نسبة هذه المساهمة، وأيا كانت طبيعة نشاط الجهة أو الكيان أو الشركة المساهمة في الكيان أو الشركة، أو وجه استخدام الأموال المتحصلة من مباشرة النشاط الاستثماري أو الاقتصادي"، وذلك بهدف إلغاء المعاملة التفضيلية لتلك الجهات الحكومية بما يضمن تحقيق المساواة وتعزيز قواعد المنافسة العادلة بين هذه الجهات وبين غيرها، وتخضع للقوانين المنظمة لهذه الأنشطة.

وألزم مشروع القرار جهات الدولة أثناء قيامها بمباشرة أنشطة تتمتع بأي من الإعفاءات المنصوص عليها في البنود السابق الإشارة إليها، بالإضافة إلى مباشرة أنشطة استثمارية أو اقتصادية مما تم سردها، بإمساك حسابات مستقلة لكل منها، والوفاء بالضرائب والرسوم المستحقة طبقا للقانون المنظم لذلك.

كما ألزم مشروع القرار جهات الدولة، بموافاة وزارة المالية بحصر شامل للتشريعات التي تمنحها إعفاءات من الضرائب والرسوم، مع بيان طبيعة الأنشطة التي تباشرها "استثمارية، اقتصادية، خدمية".

ويسري حكم إلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم المقرر بالمادة 1 من القانون رقم 159 لسنة 2023، على التعاقدات الجديدة المتعلقة بالأنشطة الاستثمارية أو الاقتصادية التي تبرمها جهات الدولة من تاريخ بدء العمل بأحكام القانون، ويعد تعاقدًا جديدًا، كل تجديد لعقد قائم في تاريخ العمل بالقانون أو زيادة في حجم الأعمال بما يجاوز النسبة المنصوص عليها في العقد.

ووفقا لتلك المواد أصبحت كل المؤسسات الحكومية تتحرك في الأسواق بلا أي مزايا، وتخلصت مصر من عبء المقارنة بين اقتصادها واقتصاديات أخرى وأصبحت التنافسية هي المنهج السائد.

لكن تحرك الحكومة وحدة لا يكفى، فالتحدي كبير ويحتاج لتوحيد جهود الجميع، حكومة وشعب ، وكانت دعوه الرئيس عبدالفتاح السيسي، لمجلس أمناء الحوار الوطني باستئناف فعاليات الحوار لمناقشة أعمق وأشمل للموضوعات الاقتصادية إشارة لتفعيل منهج التشاركية في اتخاذ القرار الاقتصادي، ووقوف كل الأحزاب والتيارات صفًا واحدًا في مواجهة التحدي الصعب.

الحوار الوطني ينطلق تلك المرة ولديه سابقة نجاح في المحور السياسي باستجابة الرئيس لما تم التوافق عليه وهو المتوقع من الحوار الوطني، وبالفعل أعلن مجلس الأمناء عن رغبته في الوصول إلى توصيات وإجراءات محددة للتعامل مع التحديات الحالية، على أن يتم رفعها عاجلًا لرئيس الجمهورية.

وخلال النقاش سيتم طرح وثيقة "أبرز الوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري خلال الفترة 2024 - 2030"، التي استقبلها مجلس الأمناء كأولوية في الجلسات، كما سيناقش في اجتماعه المقبل سبل التعاون مع الحكومة لمتابعة مراحل تطبيق الخطة التنفيذية لتوصيات المرحلة الأولى للحوار، مع استكمال القضايا والموضوعات في المحورين السياسي والمجتمعي.

ووجه المجلس الدعوة لكل المشاركين في الحوار، من الكيانات والأفراد، بأن يرسلوا للأمانة الفنية للحوار عبر وسائل الاتصال الخاصة بالأمانة الفنية، تصوراتهم المكتوبة المحددة والمفصلة لمختلف قضايا وتحديات الاقتصاد المصري الراهنة، وذلك خلال أسبوعين ليحدد بعدها الجدول الزمني للمناقشات.

المخرج من التحدي الاقتصادي الصعب هو وعي المواطن ودفاعه عن استقرار بلده، مواطن وحكومة وحوار وطني، الجميع يتشارك القرار ويلتزم بما يتم الاتفاق عليه، بأن نتخلص من قيمنا الاستهلاكية ونتعود على الترشيد وفق فقة الأولويات ونتوقف عن المضاربة والبحث عن المكسب السريع بلا تعب، وأن نتفق على أن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار وضيق المعيشة، ولكن يكمن في ضياع ما تنعم فيه مصر من استقرار وأمن يمنح المواطن فرصة أفضل للحياة في محيط مميت يعيش في أزمات لا تنتهي لا يضمن فيها حياة مواطن، فقد قدرات دولته  أو تحولت لمسرح صراعات إقليمية وعالمية.

نقلا عن روزاليوسف

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز