الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
ولم تتوقف جهود الإغاثة المصرية عند إسقاط المعونات، وقامت أيضا من إنشاء معسكر ثان للنازحين في خان يونس وثالث في دير البلح داخل غزة، ويسع المخيم الثاني في خان يونس لحوالي 4000 شخص مزود بالكهرباء ودورات المياه، بالإضافة إلى مستشفى ميداني مصري يتضمن غرف عمليات مجهزة لعلاج الجرحى والمصابين داخل القطاع لتكون مصر هي جسر الحياة الوحيد الممتد إلى داخل القطاع لمساعدة أهالي غزة بشكل متقدم داخل حدود القطاع.
مسارات التخفيف على أهالي غزة لم تتوقف على تقديم المساعدات الإغاثية، وانطلقت الدبلوماسية المصرية على مسار متوازي للطائرات المصرية لتبحث عن هدنة ووقف فورى لإطلاق النار وتكشف للعالم في الدورة 55 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وتؤكد خطورة التصعيد الإسرائيلي والتهديد باجتياح رفح الفلسطينية والمأساة الإنسانية المترتبة على ذلك.
وتتصدى مصر بشجاعة لإنقاذ الأشقاء في غزة والضفة الغربية، وتبذل جهدا كبيرا في أكثر من اتجاه رغم الهجوم والتشوية تدافع عن الحق الفلسطيني بنفس القوة رغم الانحياز الغربي السافر لإسرائيل وعدم قدرة الأمم المتحدة وآلياتها على وقف العدوان وربما ذلك يقودنا إلى فتح نقاش واسع حول دور الأمم المتحدة المتراجع والمتخاذل في حماية حقوق الإنسان.
قبل أيام مر عامان على اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، صحيح أن الاهتمام بها تراجع عقب اجتياح الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة، إلا أن الحرب لا زالت مستعرة في غياب تام لقدرة الأمم المتحدة على وقف نزيف الدم، ثم تكرر الأمر على نطاق أوسع بعد فشل جهود الدول الأعضاء في إصدار قرار بوقف إطلاق النار وتجميد تحرك مجلس الأمن بموجب الفيتو الأمريكي.
لا أبالغ إذا قلت إن جهود وإسهامات الخبراء والقامات القانونية الدولية في آليات الأمم المتحدة، قد ذهبت أدراج الرياح حينما تعطل الدور الأول والأهم للأمم المتحدة في منع النزاعات وحماية البشرية من الحروب، وما ينتج عنها من مآس إنسانية وانتهاكات لحقوق الإنسان.
تدور الحرب بالوكالة بين القوتين العظميين أمريكا وروسيا على الأراضي الأوكرانية، ولم تفلح جهود الوساطة الدولية أو الآليات الأممية من وقف الحرب، وتدفق السلاح والمقاتلين على الطرفين ليستمر الصراع ويضغط على الاقتصاد الدولي وتتعرض بسببه بلدان العالم النامية إلى أزمات تضخم وارتفاع في أسعار السلع الغذائية، نموذج لغياب قدرة وفاعلية الأمم المتحدة على التصدي لأسباب الصراع ومعالجة النزاع قبل انفجاره، وكانت النتيجة انهيار في الفاعلية وانتقاص من رصيدها.
غياب الفاعلية شجع إسرائيل على ارتكاب مجزرة إنسانية في قطاع غزة والتخطيط لتهجير سكانه قسريا باتجاه مصر على مرأى ومسمع من العالم كله، والتحدي بالذهاب إلى محكمة العدل الدولية وتوجيه الاتهامات الباطلة باتجاه مصر ومساعداتها المقدمة إلى الفلسطينيين، ثم تصدر المحكمة قرارا بمهلة لوقف إطلاق النار وتمر المهلة دون أن توقف إسرائيل سلوكها الإجرامي تجاه المدنيين في القطاع.
قبل 30 عاما كتب الدكتور بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، عن أزمة الثقة في الأمم المتحدة، بين العرب الذين يرونها منحازة للولايات المتحدة وإسرائيل التي تراها تحاول تقويض الدولة اليهودية، رغم صدور مئات القرارات ضدها ولم تنفذ والحقيقة أن الأمم المتحدة عجزت في مواجهة إرادة القوى العظمى وقررت الانزواء، وفي كثير من الأحيان الاختفاء حتى تمر العاصفة، وربما ترى أن المحافظة على الكيان أهم من الصدام مع تلك القوى، وهي بدورها تتجاهل الضغط على المنظمة الدولية حتى لا تنفجر من داخلها ويستمر التوازن الحرج بين التقدم والتراجع حتى تنتهى الأزمة وتعود الأمور إلى سابق عهدها.
أحاديث عدة تحدثت عن إصلاح واجب للأمم المتحدة، وعن تغيير مطلوب في طريقة عمل لجانها والمؤسسات المنضوية تحتها، وبالتحديد التشكيلات القضائية مثل محكمة العدل الدولية، فالمحكمة وإن كانت تجتهد في مواجهة محاولات الضغط عليها من جانب القوى العظمى، إلا أنها لا تملك أية أداة تنفيذية لقرارتها، بل إن القضايا المعروضة عليها يمكن أن تستمر لسنوات في مداولات حتى يصدر الحكم ولا ينفذ، إذا ما قررت أي قوة كبرى استخدام الفيتو ضده.
في الحالة الفلسطينية تتجه البوصلة نحو الموقف الأمريكي المنحاز إلى إسرائيل، دعك مما تتحدث عنه الكواليس من ضغوط أمريكية، الواقع يقول إن الولايات المتحدة تؤمن بما قالته جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة: "إذا كنت معي 99% فإنك لست معي"، وإن قادة إسرائيل يضمنون حق الاعتراض الأمريكي على أي قرار يدين إسرائيل، أو يفرض عليها أي عقوبات، ولذلك فالصمت أمام الإبادة الجماعية للفلسطينيين هو التوجه الوحيد للأمم المتحدة، وهو أمر لم يعد محتملا للجانب العربي، وينذر بعواقب وخيمة ويعطي للإرهاب وللمليشيات المسلحة فرصة لتجنيد عناصر غاضبة.
ازدواجية المعايير هو الفيروس القاتل الذي أصاب الأمم المتحدة وجعلها مشلولة في مواجهة الجرائم الإسرائيلية، التي تجري تحت حماية الفيتو الأمريكي، ضعف الأمم المتحدة ليس في مصلحة أحد، ولذلك يجب على المجتمع الدولي التعامل بجدية مع التراجع في دور المنظمة الأممية وقدرتها على فرض احترام القانون الدولي والنظر في المطالبات بإصلاحها حتى لا تتعرض في النهاية لمصير عصبة الأمم.