مريم عيد
لكنها ما زالت تعتقد بشدة أن أوزيريس منذ أن اقتحم عالم الأموات قد أخذ على نفسه عهداً بألا يموت أحد فى مصر، وأن موتى المصريين سيظلون خالدى الذكر. ومن قناعاتها أيضاً أن ست منذ أن قتل أخيه، قد أوحى إلى الهكسوس بغزو مصر، وبأنه ما زال يتفنن فى كل زمان ومكان على أرض مصر بمشاكسة إخوته فى الوطن وإلحاق الأذى بهم.
أصبحت "ماجى" الآن أستاذة لعلم المصريات بإحدى الجامعات الأمريكية فقد نشئت على الكلف والشغف بالحضارة المصرية القديمة اللذين ورثتهما عن أبيها المصرى، وبترحيب من والدتها الأمريكية. كانت المعالم الأثرية والمعابد المصرية ركناً أساسياً من برنامج زياراتهم إلى مصر. فصوت فحيح رياح الصحراء حول هذه الأماكن يأتى من أعماق التاريخ، ويذكرها بالصراع القديم الأزلى بين ست وأوزيريس. لكن الوفاء للأهل حفظ كل تلك المومياوات حيث كان يخبأهم ذويهم بعيداً عن الأيدى العابثة.. لكن ما كل تلك العظمة!! التماثيل العملاقة الجالسة على جانبى مدخل معبد أبو سمبل بكل تفاصيلها الدقيقة، وواقعيتها الفرعونية! كيف تم كل ذلك منذ آلاف السنين وبدون آلات وأجهزة ومعدات حديثة! الحسابات الفلكية وتعامد الشمس على وجوه الملوك فى أعياد ميلادهم وتتويجهم! النقوش والرسوم الدقيقة على جدران المعابد المصرية كانت قبل ظهور الكمبيوتر وبرامج تصميم الجرافيك، وكأنها تنتمى إلى عصرنا الحالى، وحضارته الحديثة! حقاً، لا فرق! بل إن العلم الحديث كثيراً ما يقف عاجزاً أمام سر التحنيط، لكنها مشيئة أوزيريس بأن يظل المصريون خالدين، فالمصريون لا يموتون منذ القدم.
تستعد "ناميثا" اليوم لخطبتها على "شبسس كاف" والذى كان اسمه تيمناً باسم أحد ملوك الأسرة الرابعة. الأطياب والزيوت والخلطات الفرعونية تغطى وجهها هذا الصباح، وبعد أن قامت بإزالتها أتت مصففة الشعر لتجملها بالمساحيق الملائمة جميلة الألوان، والمصنوعة من أفضل الخامات للعناية بالبشرة. ارتدت فستانها الحريرى فانسدل على جسمها المتناسق حتى كاحليها، وحذاءها المصنوع من أفضل جلود تماسيح نهر النيل، ثم ساعدتها المصففة فى ارتداء الباروكة المصممة خصيصاً لهذا اليوم. تماس شعر الباروكة مع كتفيها ليلامس حمالتى الفستان، وليكلل قامتها المصرية الهيفاء بنعومة.
اصطف المدعوون فى الظهيرة جلوساً حول المائدة العامرة بأطيب أنواع الطعام، واللحوم، والطيور المتنوعة، والحلوى وهم يستمعون إلى نغمات عازفة الهارب تعزف موسيقى مشرقة، تشبه تلألؤ صفحة مياه النيل تحت أشعة الشمس. الحضور معظمهم من أفراد الأسرة الملكية، كان بعض المدعوين من عامة الشعب الذين كانوا زملاء لناميثا وشبسسكاف فى المدرسة الملكية التى كانت تفتح أبوابها للجميع. كان الحفل على شرف "إياح حتب" والدة ملك مصر، وأكبر المدعوات سناً، ولكنها محور اهتمام وتقدير الجميع.
فى المساء كانت ماجى تحضر حفل خطبة إحدى بنات عمها فى قاعة أحد فنادق القاهرة الكبرى، ذهبت قبل بداية الحفل إلى محل الكوافير الشهير بصحبة إحدى قريباتها لإصطحاب العروس إلى مكان الحفل. كان أكثر حفلات العائلة هدوءاً حيث اقتصر على أسرتى الخطيبين وبعض الأقارب كعادة حفلات الخطبة.
وقفت العروس مع عريسها فى قاعة الحفل يتسامران ويرتشفان كؤوس الشربات بالتبادل، ثم يكمل كلاهما شرب كأسه بعد أن ارتشف منه الآخر رشفته الأولى. الأم بجسدها الممتلئ بعض الشئ، وقسماتها الجميلة الطيبة تكفكف دموعها بمنديلها وتردد أمام نساء العائلة وبناتها أنها كانت تتمنى وجود جدة العروس معهم فى تلك الليلة فقد كانت أقرب حفيداتها إلى قلبها.. ما زال الحفل منذ الصباح على شرف إياح حتب لكنها غير متواجدة هذا المساء.
بعد أن افتتح العروسان البوفيه، توافد المدعوون إلى قاعة الطعام لاختيار ما يفضلون من أصناف فى أطباقهم، وإبان تناولهم الطعام كانوا يستمعون إلى الموسيقى التى كانت تتنوع بين الصاخب والهادئ. بدأ المدعوون فى تجاذب أطراف الحديث، كان يجلس على مائدتها أحد الأقارب من كبار السن الذى كسا الشيب رأسه مرتدياً نظارات طبية ومتكئًا على عصاه بجانبه، وبادياً بقسماته الدقيقة ونظراته الثاقبة كحكيم فرعونى:
- سبتوا مصر من عشرين سنة، لكن ليه مصرة على علم المصريات؟
- (ابتسمت) الغرب بيهتم جداً بعلم المصريات اللى تكاد أن تخلو منه جامعاتنا، بالإضافة إلى إنى كنت شغوفة بالإيجيبتولوجى منذ صغرى، ومن الطبيعى أن يدرس الإنسان ما يهتم به.
- فعلاً، كثير من الكلمات التى تتردد على ألسنة المصريين اليوم هى من أصل فرعونى مثل ترابيزة، وكانى ومانى، وهُس، وترمس، وسمسم.
- (أومأت برأسها بالإيجاب) حقيقى، والجملة الشهيرة التى يرددها الفانوس الكهربائى على لسان الأطفال فى رمضان" وحوى يا وحوى إياحه" معناها تعيش تعيش إياح حتب، وكانت تقال فى تحية والدة الملك المنتصر "أحمس".
- واللغة القبطية المستخدمة فى الكنائس المصرية اليوم هى التطور الأخير الذى طرأ على اللغة الهيروغليفية.
- نعم، كل ذلك جميل لكنه تناقل إلى المصريين كموروث حضارى وبشرى، لكننا مازلنا نتعامل مع أجدادنا من على بعد، وكأنهم ساكنو وادى الملوك أو الدير البحرى بمعزل عنا، يذكرنى ذلك بعلبة مجوهرات جدتى المغلقة التى نعتز بها جميعاً، وربما استخدمنا قطع منها فى المناسبات لكنها مغلقة دائماً.
- وتقترحى إيه؟
- التاريخ الفرعونى لازم يخرج من عزلته ليصبح جزء من واقعنا، ممكن عن طريق إضافة قطعة فرعونية إلى كل الميادين الهامة فى جميع أنحاء مصر وليس فقط الأعلام المعاصرون، وإطلاق أسماء فرعونية على الكثير من المنشآت والميادين والشوارع ليتواصل الناس مع أجدادهم الأوائل بكل فخر واستمرارية وانفتاح، وأن يتولد لدى كل مواطن شغف بمعرفة كل ما يخصهم.
- عظيم، عظيم يا بنتى.
فى اليوم التالى كانت تجلس بجوار إحدى بنات عمها، وهى تقود سيارتها وشعرها القصير بقصته الديجراديه يطيره الهواء قبل أن تغلق النافذة لبرودة الجو وهى تبدو كفرعونية نحيفة هاربة من المعبد.. جابا عدة شوارع، القاهرة الجميلة تحتفظ بطابع خاص ساحر يميزها عن بقية العواصم العربية والعالمية حيث الثراء البشرى والمكانى، ففى القاهرة كل الأماكن لها ذكريات، وكأن البشر لا يموتون بل يغيرون ملامحهم فقط تحت ضياء نفس الشمس.. إنها بركة أوزيريس، التى كملتها وتناغمت معها بعد ذلك، بركة الكنيسة المعلقة، وبركة جامع عمرو بن العاص.. ابنة عمها تتأفف من غلق بعض الشوارع وتغيير اتجاهات البعض الآخر! لكن اليوم ستنتقل المومياوات الملكية من المتحف المصرى بميدان التحرير إلى المتحف القومى للحضارة بالفسطاط...عدة ملوك وملكات قادوا حضارة مصر التى لا مثيل لها حتى الآن لعدة أزمنة، كانوا طفرة فى تاريخ كوكب الأرض، منهم حتشبسوت، وتحتمس الثالث، ورمسيس الثانى، وذوو أحمس الأول الذى طرد الهكسوس العدو التقليدى للمصريين من مصر، طردهم وطاردهم، ولربما جاب قريباً أو بعيداً من تلك الطرقات ألا يستحقون منهما أن تتوقفان من أجلهم لبعض الوقت وهم يتحركون من مكانهم، ولو على سبيل التحية؟!
فى مساء هذا اليوم انتقلت المومياوات الملكية فى موكب مهيب من متحفٍ إلى آخر، ارتاحت روح إياح حتب التى ترفرف حول المكان من على بعد، امتد بلاطها الملكى، للمرة الأولى تشعر أن أسرتها ولو فى عدة أماكن فإن جزء منها هنا، وكأنهم قد استعادوا تواجدهم فى القصر الملكى بطيبة.. روحها تهدهد أحمس الملك الصغير فى حديقة القصر لتضعه بين يدى أبيه "سقنن رع".