البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
حين تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن خيارات التعاون مع إثيوبيا بدلًا من النزاع على مياه النيل، جلست أفكر فى هذا الأمر، وشرعت أقرأ عن إمكانات وموارد إثيوبيا، تلك التى يمكن أن تكون مجالًا للتعاون بين مصر وإثيوبيا، تلك التى كانت يومًا ما إمبراطورية قوية واسعة الثراء.

كانت وزارة المعادن الإثيوبية قد أعلنت فى نهاية العام الماضى، عن إطلاق بوابة معلومات حول احتياطيات الموارد الطبيعية، وخيارات الاستثمار فى قطاع المعادن بإثيوبيا، وأعلنت أنها ستقوم بعملية ترويج للمستثمرين المحليين والدوليين، من خلال عرض كل المعلومات الممكنة، حول الفرص الكامنة لهذا القطاع، فى إشارة إلى أن هذه العملية، هى جزء من الإصلاح الاقتصادى المحلى، الذى سيغير قطاع التعدين بالبلاد.

قامت إثيوبيا أيضا بحسب تصريحات نُسبت إلى الحكومة الإثيوبية، بجهود كبيرة لتحديث قطاع التعدين وتطويره، والاستثمار فى موارد البلاد، من أجل توفير الخامات للاستهلاك المحلى، ومنها الإسمنت والفحم والأسمدة والصلب، وأيضا لقطاع التصدير لمعادن الذهب والأحجار الكريمة، بالإضافة إلى معدن التانتالوم الذى يدخل فى الصناعات الدقيقة، وأجزاء للطائرات النفاثة، ويستخدم فى صناعة آلات تشغيل المعادن وأدوات العمليات الكيميائية، والمفاعلات النووية، وأجزاء الصواريخ، كما يكثر استعمال التانتالوم فى صناعة معدات الجراحة والأجهزة المزروعة فى الجسم البشرى.

والحقيقة أن الدولة الكبرى التى يزيد تعداد سكانها عن 100 مليون نسمة، تتشابه مع مصر فى كثير من الظروف، فالدولة المصرية التى قطعت شوطًا كبيرًا فى طريق الإصلاح الاقتصادى، كانت تعانى منذ فترة قصيرة من نفس ما تعانى منه إثيوبيا، من ذلك مثلًا ارتفاع معدلات التضخم، والبطالة، وعدم استغلال الموارد الاستغلال الأمثل، وارتفاع فاتورة الاستيراد، ونقص العملة الأجنبية، وتراجع مستوى التعليم، وهى أمور تجاوزتها مصر بنجاح، وأصبحت أمرًا يمكن أن يكون مسارًا جيد لبدء مرحلة التعاون بين البلدين.

اقتحمت مصر مجال الاتصالات بقوة، وأصبح من الممكن أن تنقل تلك الخبرة إلى الجانب الإثيوبى، بل وأن تستثمر فى قطاع الاتصالات هناك، كما أن مصر تمتلك خبرة واسعة فى مجال صناعة الإسمنت ومجالات التعدين المختلفة، وربما يكون قرب موقعها الجغرافى من إثيوبيا، ما يؤهلها لأن تساعد إثيوبيا فى هذا القطاع، وذلك من خلال شراكة اقتصادية مبنية على التعاون والتناغم، وهو ما يمكن أن يسهم فى دفع الاقتصاد لآفاق أرحب بالتعاون بين البلدين.

تمتلك إثيوبيا أيضًا موارد زراعية وحيوانية هائلة، وهو ما قد يجعلها من أفضل الشركاء للتعاون بين البلدين، إذ بينما تسعى مصر لتقليل فاتورة استيراد اللحوم، يمكن أن تصبح إثيوبيا شريك استراتيجى مهم بالتعاون مع مصر، لتحقيق التفوق الإقليمى فى مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، وربما يؤهلهما ذلك لاقتحام الأسواق العالمية، وزيادة معدلات تصدير الخضراوات والفاكهة، وربما اللحوم أيضًا.

حسنًا فعلت إثيوبيا بالاتجاه إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، ولكن من المهم أن تدرك إثيوبيا نقطتين هامتين، أولاهما أن جذب الاستثمارات لا يتحقق بقوة، إلا من خلال استقرار الدول سياسيًا وعسكريًا، ذلك بالإضافة إلى تحسين البنية التشريعية، الخاصة بمعاملات الاستثمار وإنشاء الشركات، الأمر الثانى هو أنه كلما كانت العلاقات قوية مع دول الجوار، أدى ذلك إلى ازدهار الاقتصاد، وهو ما يمكن ملاحظته فى القارة الأوروبية، حيث ساهم قيام الاتحاد الأوربى فيها، فى الدفع نحو تحسن كبير، فى اقتصادات العديد من الدول التى عانت من مشكلات اقتصادية تاريخية كبيرة.

أتمنى أن تدرك إثيوبيا أهمية التعاون مع مصر، وأن تستقبل دعوة الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، بفهم عميق لمعنى تلك الدعوة، وأن تدرك أن النيل هو الشريان الذى يجمع شعوب مصر والسودان وإثيوبيا معًا، وأن هذا الشريان لا يمكن قطعه بأى سكين، إذ إن قطع ذلك الشريان الذى يمر فى القلب من إقليم حوض النيل، سوف يكون بمثابة القضاء على حياة الإقليم بالكامل، وأنه بلاشك الشريان الرئيس الذى قامت عليه حضارات تلك الدول، وازدهرت على ضفاف واديه، وبقيت ممتلئة حياة ونماء إلى يومنا هذا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز