البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
الكتابة فى رمضان مسالة عسيرة جدًا، إذ إن طقوس الشهر الكريم، تجعل من الطبيعى أن يتأمل الشخص أحواله فى سكون تام، وأن يسعى للتقرب إلى الله بالنوافل أكثر من أى شهر آخر، وهو شهر الصوم الذى يحاول الإنسان فيه أن يفكر فى أعمال الخير، وأن يبحث عن أوجه الخير لينفق فيه ويتصدق.

ماذا يمكن أن يكتب عنه المرء فى رمضان هذا العام؟ وهو عام آخر، يحاصر فيه الفيروس اللعين كوفيد-19 العالم كله، وحتى فى مصر، لم يعد من الممكن متابعة الفعاليات الثقافية، ولازلنا لا نعرف إن كان سيكون هناك ليال رمضانية أم لا، تلك الليالى التى كنا نحيا من خلالها بهجة شهر رمضان، حفلات الإفطار الجماعى، تلك التى يلتقى فيها العائلات والأصدقاء، فى أجواء بهيجة تسر القلب والروح، وموائد الرحمن التى كان يأنس إليها السيارة والفقراء وعابرى السبيل، كل ذلك توقف وننتظر رجوعه بفروغ صبر.

حاولت أن أكتب مقالًا عن الأستاذ الكبير مكرم محمد أحمد، الذى رحل عنا فى بداية هذا الشهر الكريم، وهو الأستاذ الذى طالما حاولنا أن نتعلم منه فن الصحافة، أعجبتنا موهبته، وتقربنا منه، وعارضناه أيضًا، لكنه كان سمحًا يتقبل النقد بصدر رحب، لا يسعى للثأر أو الانتقام، بل ربما لمحت منه مودة حين التقينا فى أحد المرات فى جريدة الأهرام، وكنت قبلها قد انتقدته بشدة، وتوقعت أن يكيل لى الانتقادات ردًا على انتقادى له، لكنه عاجلنى بابتسامة كلها ترحيب، تعلمت منها أن الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية حقًا.

فكرت أيضًا أن أكتب مقالًا عن دراما رمضان، لكننى فشلت، إذ إن أكثر ما شاهدته كان إعلانات رمضان، تلك الإعلانات التى تعرضها الشاشات، أكثر بكثير جدًا من الأعمال الدرامية نفسها، والطريف أن إعلانات هذا العام، تصطبغ بصبغة درامية، أو ميلودرامية، أو كوميدية، ويؤديها نجوم الدراما أيضًا، سواء من النجوم الحاليين أو المعتزلين، وهى إعلانات أثارت مواقع التواصل الاجتماعى أكثر وأكثر.

أزمة سد النهضة وتعنت الحكومة الإثيوبية، تجاه مطالب مصر والسودان، جذبتنى لمحاولة الكتابة عنها أيضًا، لكننى فكرت أننى كتبت عن ذلك الأمر مرارًا وتكرارً، وأنه مهما تعنتت الحكومة الإثيوبية فإنها فى النهاية سوف ترضخ، ليس لسبب إلا لأن المنطق اثبت دومًا أن الحياة تتغير، وأن المواقف تتغير، وأن الناس تتغير، وأن الحياة تستمر، وأن النهر ينساب وسوف ينساب دائمًا فى مجراه.

السياسة العالمية أيضًا لم تجذبنى للكتابة عنها فى رمضان، مثلًا قرار انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، بعد 20 عامًا قضتها فى حروب هناك بدعوى محاربة الإرهاب، لكن الأسئلة التى تطرح نفسها كثيرة، منها مثلًا، هل نجحت الولايات المتحدة فى القضاء على الإرهاب حقًا؟

وهل تستقر أوضاع الأمنية فى أفغانستان بعد رحيل القوات الأمريكية؟ وهل تنطلق تلك الدولة فى طريق الاستقرار والتقدم؟ أسئلة سيجيب عنها المستقبل حتمًا لكن ليس فى هذا الشهر الرمضانى للعام 2021.

أخيرًا فكرت أن أكتب عن كل ما سبق، أو أن أجلس فى هدوء، أتذكر اساتذتنا وأصدقاءنا الراحلين، وأن أحاول متابعة دراما رمضان مستمتعا فى الوقت ذاته بالإعلانات، وأن أتأمل الحياة أكثر وأكثر، وأن أتفاءل أن القادم أفضل، وأن الناس سوف يدركون أن الحياة قصيرة جدا، كانت قصيرة قبل كوفيد-19، وباتت قصيرة منذ ظهره، وأنها ستظل قصيرة بعد انتهاء أزمته أيضًا، لكنها كافية لكل إنسان جاد، كافية لأن يحقق ما يسعى إليه بالعمل والمثابرة والتفاؤل.. رمضان كريم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز