البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
سمعت بمصطلح الجمهورية الجديدة لأول مرة من المؤرخ الكبير الدكتور عاصم الدسوقى، فى أثناء الحوار الذى أجريته معه فى شهر يوليو عام 2012، إذ قسم فترات الحكم فى مصر بعد قيام ثورة يوليو 1952 إلى ثلاث جمهوريات، بدأت الأولى بالرئيس محمد نجيب والثانية بالرئيس جمال عبد الناصر، ثم الثالثة فى عهد الرئيس السادات، والتى أكملها الرئيس مبارك وحتى تنحيه، وسقوط الإخوان بعزل مرسى، ولازالت تعيشها مصر الآن وتستعد لاتخاذ عاصمة جديدة لها.

تذكرت ذلك الحوار فى أثناء حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى، عن العاصمة الإدارية الجديدة، واصفا ذلك بأنه بداية جمهورية جديدة، وكان الرئيس قد أعلن فى مارس 2015 من مدينة شرم الشيخ، خلال مؤتمر "دعم وتنمية الاقتصاد المصرى"، عن مشروع إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، لتكون عاصمة متطورة وبؤرة للنشاط الاقتصادى، هذا المشروع يعد واحدًا من أكثر مشروعات التطوير العقارى المصرية طموحًا، إذ تقدر مساحة المدينة الإدارية بنحو 170 ألف فدان حسب مخطط المشروع، وتضم 25 حيًا سكنيًا، ونحو 1.1 مليون وحدة سكنية، و40 ألف غرفة فندقية، ونحو 10 آلاف كيلومتر من الطرق.

مشروع العاصمة الإدارية الجديدة هو مشروع قومى استثمارى يهدف إلى تأسيس مدينة إدارية اقتصادية جديدة حديثة، تقع ضمن إقليم القاهرة الكبرى، مما يساهم فى توسيع الحيز العمرانى، وتفريغ العاصمة الحالية من التكدس والازدحام، بالإضافة إلى كونها منطقة جديدة جاذبة للاستثمارات، الأمر الذى يسهم فى توفير ما يقرب من مليونى فرصة عمل جديدة، وتشغيل العديد من الشركات، خاصة فى مجال المقاولات، إذ يتم التنفيذ بأيدى مصرية بنسبة 100%، وهو أمر يسهم فى حماية العمالة المصرية من تداعيات كوفيد-19، التى أدت إجراءاتها الاحترازية إلى تراجع معدلات التشغيل فى العالم بأكمله.

والحقيقة أن هذا المشروع جعلنى أعيد النظر فى فكرة الدكتور عاصم الدسوقى بشكل حاسم، بل جعلنى أعيد ترتيب فكرة الجمهوريات لتعود جمهورية واحدة فقط منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952، وحتى ثورة 30 يونيو 2013، وليصبح التأريخ للجمهورية الثانية ضروريًا بافتتاح العاصمة الإدارية الجديدة، تلك العاصمة التى سوف تضع مصر فى منطقة مختلفة تمامًا على طريق التنمية المستدامة لفترة طويلة قادمة، وستكون إيذانًا بقطف ثمار الإصلاح الاقتصادى الذى انتهجته تلك الجمهورية الجديدة.

تقع العاصمة الإدارية على بعد 45 كيلومترا من وسط القاهرة و80 كيلومترا من السويس و55 كيلومترا من خليج السويس، وتتميز بموقعها القريب من مشروع تنمية قناة السويس، وبقربها من مدن شرق القاهرة، وتضم المدينة السكنية بالعاصمة الإدارية الجديدة، أطول محور أخضر فى العالم، وهو النهر الأخضر أو طرق الحدائق المركزية، ويشتمل على حدائق مركزية وترفيهية وحدائق نباتية، والتى تعتبر من أكبر الحدائق على مستوى العالم، حيث تقام على مساحة 5 آلاف فدان، بطول 35 كيلومترا، وستكون مفتوحة للجمهور مجانا وتخدم العاصمة الإدارية بالكامل، والقاهرة الجديدة والقاهرة الكبرى أيضًا.

هذا الموقع الذى يكاد يتوسط قلب الصحراء الشرقية، هو موقع عبقرى، إذ أكاد أرى بخيالى تلك المشروعات الزراعية والصناعية، التى ستنشأ فى دوائر حول تلك العاصمة، معتمدة على مياه الأمطار التى تسقط فى سيول جارفة على جبال البحر الأحمر، والطرق التى ستمتد فى عمق الصحراء جنوبًا، وذلك بالتوازى مع وادى النيل والبحر الأحمر، وهو ما سيسهم فى التوسع فى الكشف عن الثروات المعدنية، بعد توفير الوسائل اللازمة لنقل العمالة والخامات، لتلك التجمعات التى يمكن أن تنشأ كنتيجة طبيعية للزحف العمرانى على تلك الصحراء، الشاسعة الغنية بالموارد الطبيعية غير المستغلة.

أتمنى أن تضع الدولة خطة لاستغلال النطاقات المحيطة بالعاصمة الإدارية، بإنشاء مجتمعات عمرانية زراعية وصناعية وتعدينية موازية فى عمق الصحراء الشرقية، على غرار الدلتا الجديدة، وأن توضع خطة لاستغلال مياه الأمطار الموسمية على جبال البحر الأحمر، والتى تحملها الأودية الجافة القديمة إلى مجرى النيل دون الاستفادة منها، وهو أمر سوف يسهم حتمًا فى زيادة النمو الاقتصادى، واستغلال الموارد المتاحة، وأيضًا تشغيل المزيد من الأيدى العاملة وتحقيق التنمية المستدامة المنشودة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز