البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
عندما تقارن بين خريطة الولايات المتحدة الأمريكية، وخريطة جمهورية مصر العربية، سيلفت انتباهك شىء ما مهم، ففى خريطة أمريكا ستجد أن كل مساحتها الجغرافية تشغلها مختلف الولايات الأمريكية، وكأنها قُسمت عل الخريطة أولاً، وخُطط لأن تستغل المساحة الكلية للدولة.

أما إذا نظرت إلى خريطة مصر فستجد أن معظم السكان مرتكزون فى شريط ضيق فقط، هو الوادى والدلتا، وتشغل المناطق المأهولة بالسكان حوالى 8% فقط من مساحة مصر، أما شرق البلاد وغربها فتشغل معظمه صحارى شاسعة، وسأعاود الإشارة إلى هذا المثل عما قليل.

إن كل شىء على أرض مصر يجمع المصريين معا، المسلمون منهم والمسيحيون، تظلهم نفس السماء، ويتنفسون نفس الهواء، ويشربون من ماء النيل، ويأكلون من خيرات مصر، ويتكلمون اللغة العربية، ويمكنهم أن يجيدوا لغات أخرى.. لهم تاريخ واحد مشترك منذ أيام الملك مينا، وحتى ما بعد ثورة 30 يونيو، وطوال هذا التاريخ كانوا دائماً سوياً فى محاربة عدوهم أيا كان دينه.

يضمهم وعى جمعى واحد يبتهج فى شهر رمضان، كما يسعد ويستبشر خيرا مع قدوم أعياد الميلاد. يتفاءلون مع شروق الشمس فى صباح كل يوم جديد، ويحلمون ويتسامرون فى المساء. يحبون الفرح، ولكنك تكتشفهم وتختبرهم فتجدهم سندا لك فى أوقات الأزمات. صبورون، لكنهم لا يسكتون إذا ضيم أحد.

يحبون أولادهم، ويفضلونهم على أنفسهم، لكنهم إذا ما أخطأوا بحق أحد ما أو أساءوا الأدب غضبوا منهم.. لا يميلون إلى من يسخر منهم، لكنهم يجيدون السخرية من الحياة. يستطيعون تدبير وتخطيط حياتهم، ولا يميلون إلى التبذير، لكن لديهم دائما ما يقدمونه لكل فقير.

يقدِّرون الشهامة، ولكنهم ليسوا سفاكى دماء، وغير ميالين إلى العنف والعدوان. يمكنهم أن يغضبوا بشدة، ولكنهم إذا صفحوا يغفرون كثيرا ويقدمون أثمن ما لديهم، ويؤمنون أن المحبة بمقدورها أن تعقب العداوة. منظومتهم القيمية تحمل أبعادا مشتركة مثل "البر بالوالدين، واحترام الكبير، وحب مصر، واحترام العمل الشريف".

يقدِّرون الجمال، ولكنهم يعرفون أن الجمال هو جمال الروح. يعرفون أهمية المال، لكنهم يوقنون أن غنى النفس أثمن. حتى فى حافزهم الدينى وعلى اختلاف أديانهم، يأملون جميعا نهاية الأزمات، ويتطلعون إلى انفراج الشدائد كما انشق بحرهم الأحمر أمام النبى موسى ومن خلفه من بنى إسرائيل.

إنها مساحات واسعة وشاسعة من القيم والسلوكيات والأهداف، لكننا فى كثير من الأحيان نترك كل تلك القيم المشتركة، ونركز على منطقة وحيدة فقط، وهى منطقة "الاختلاف فى العقيدة"، والتى هى بالأساس ومن المفترض أن تكون متروكة لحوار علماء الأديان، والمتخصصين.. يمكننا الآن التفكير فى المثل المذكور فى بداية المقال، وبغض النظر عن الجغرافيا الطبيعية التى أدت إلى ذلك، ولكن وجه الشبه هنا هو نمط توزيع السكان على خريطة مصر. فلربما تجد شخصين أحدهما مسلم والآخر مسيحى، يسأل كل منهما الآخر عن عقيدته أو يتحدثان بشأنها ثم يستفيض كل منهما فى شرح عقيدته للآخر، مع أن كليهما ليس عالماً فى دينه، لكنه فقط مؤمن بدينه مثل سائر المؤمنين.

وبمرور الوقت يزداد علمه بدينه، ولكن الدين أولا وأخيرا هو معاملة، وليس معلومات فقط. وبدلا من أن يستغل الشابان طاقتهما الفكرية فيما ينفع أو يفيد، تجدهما ربما اختلفا مع بعضهما البعض، وربما أعرض كل منهما عن الآخر، بسبب مسائل فى صميم إيمانهما، وفى صلب عقيدتيهما، والإيمان ليس عيانا لكى يختلف البشر بشأنه.

أسوأ ما فى الأمر أن يصدر هذا عن بعض رجال الدين أنفسهم، وبدلاً من أن يشرحوا ويوضحوا للناس أمور العقيدة، والمعاملات تجدهم يركنون إلى هذا الجانب الخلافى من العقيدة، ويتهمون الآخر بأن إيمانه بعقيدته سيوصله إلى جهنم ... من المعروف أن كل دين يؤمن بالطبع أنه "طريق مفضٍ إلى الجنة"، وهذا أمر طبيعى وسبب من أسباب الإيمان بهذا الدين، ولكن من الخطأ اتهام عقائد الآخرين على الملأ بأنها مُفضيه إلى جهنم، لأننا دائما ما نذكر أن الله أعلم فى كل الأمور، فهو بالتالى الأكثر علما بـ يومٍ هو مالكه الوحيد.

من ناحية أخرى، فإن اتهام الآخرين فى عقيدتهم ينبغى النظر إليه على أنه "أمر غير أخلاقى" لأنه مهما اختلفت العقائد فإن الجميع ينظرون للأديان كأحد مصادر الأخلاق فى المجتمع، والشيوخ، ورجال الدين من كل عقيدة هم موضع احترام وتقدير، فعندما يرى أحدٌ ما رجل دين ينتمى إلى دين آخر يتهمه بأن إيمانه كفر، وطريق إلى جهنم، بالتالى سيؤذى هذا مشاعره لسببين: لأنه من الأساس يكنُّ احتراما خاصا لرجال الدين، وثانيا، لأن اتهامه فى تلك الحالة سيشعره بأنه يعم كل القيم الدينية التى يشملها دينه، وبذلك سيكون هذا الكلام أمر غير أخلاقى.

يذكرنى هذا بمشهد من فيلم "الخطايا" يجمع بين عماد حمدى، وعبدالحليم حافظ، وحسن يوسف. عماد حمدى وهو يصفع ابنه "حسين" أو عبدالحليم حافظ، بينما شقيقه "أحمد" أو حسن يوسف مندهش بانزعاج مما يحدث!

عماد حمدى "الأب" أراه يمثل هنا "رجل الدين" الذى يقول لـ عبدالحليم ما يعتقد أنه حقيقة، ولكنها ليست حقيقة على الإطلاق، ولا ينبغى أن تقال بتلك الطريقة الصادمة، لأنه يعتبر بالفعل بمثابة ابن له لأنه مسؤول عنه، لكنه تخلى فجأة عن أبوته ليقول له إنه ليس ابنه فى حين أن الحقيقة ليست هكذا.

إن دور عماد حمدى فى هذا المشهد يشبه ما يقوم به رجل الدين الذى يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية، ويتعدى على الآخرين لفظيا، بينما "حسن يوسف" فى الخلفية يمثل غالبية الشعب المصرى بطبيعته السمحة، والذين يتابعون ما يحدث بعدم رضا وتأثر.

إن جزءا كبيرا من طريقنا المفضى إلى الجنة موجود فى الدنيا التى يشاركنا بها آخرون، يؤمنون بأن طرقهم مفضية إلى الجنة أيضا، ولكنهم يشتركون معا فى نفس طريق الحياة بحلوها ومرها، وبمزاياها ومساوئها، وبآلامها وأحلامها، فينبغى أن يحسنوا معاملة بعضهم البعض فى ظلال قيمهم المشتركة التى نشأت، وترعرعت، وازدهرت فى كنف وطنهم الواحد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز