البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
(١) استيقظ الدكتور ماجد عزت من نومه مبكرًا على تباشير أضواء الصباح المنبعثة من زجاج نافذة غرفته بالفندق الخمس نجوم حيث يقيم أثناء زيارته الحالية للقاهرة ليلقى محاضرة حول أخر التطورات فى جراحة القلب، وأحدث الأجهزة المستخدمة عالمياً فى هذا المجال.

فهو الآن طبيب، وجراح عالمى، وأستاذ بكلية الطب جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية التى هاجر إليها منذ فترة، فعندما وجهت إليه وزارة التعليم العالى الدعوة لإقامة ذلك المؤتمر الطبى فى جامعة عين شمس، لبى الدعوة على الفور وحاول بقدر الإمكان إفراغ عدة أيام من جدوله المشغول دائماً بمواعيد المحاضرات والعمليات ليخصصها لزيارة مصر، وعقد ذلك المؤتمر الهام.

أخذ الدكتور ماجد حمامًا سريعًا، وطلب الإفطار فى غرفته بالتليفون، الاستيقاظ من النوم فى مصر مثله مثل الاستيقاظ من النوم فى أمريكا، ولكن عندما تفتحت عيناه هذا الصباح وتذكر أنه فى مصر أثار ذلك فى نفسه شجونًا قديمة، وسبح فى بحر من الذكريات.. مرت ذكريات حياته أمامه سريعًا كشريط فيلم سينمائى.. تذكر سنى طفولته، ومراهقته، وشبابه، وهجرته، وزياراته المتكررة إلى مصر كل فترة، ووفاة أبيه ثم أمه.

قطع ذلك صوت طرقات على باب غرفته فتح الباب ليجد عامل الفندق يبتسم ويجر أمامه عربة الإفطار، تبادلا التحيات ثم أفسح له الطريق فوضع صينية الإفطار داخل الغرفة، وانصرف فى هدوء.. بدأ يتناول طعام الإفطار وعاد مرة أخرى للسباحة فى بحر الذكريات ولكن هذه المرة لم تكن الرؤية عامة لحياته إجمالاً، ولكنه بدأ فى الدخول فى مناطق خطرة للسباحة .. فترات معينة وبؤر محورية فى حياته ربما مست جراحات قديمة، جُرح بها فى بيت أحبائه، ومازالت لم تندمل بعد كل تلك السنوات، أو ربما اندملت ولكن ما زال أثرها باقياً للذكرى.

تعود ماجد على التفوق منذ صغره حتى أصبح يدمن التفوق، فلازمه أيضا بعد التحاقه بكلية الطب كان منذ صغره يعشق مادة الرياضيات، لذلك أصبح طالب طب بعقلية مهندس.. فهو يذاكر كل شيء بصورة حسابية هندسية.. فعقب عودته من الكلية وبعد أن ينام قليلاً يستيقظ ثم يجلس على مكتبه يقرأ كل شيء عن الموضوع الذى سيذاكره بصورة عامة، ثم يقسمه إلى جزئيات صغيرة، وكأنه يلتهم المادة العلمية التهاماً دقيقا بالشوكة والسكين، لذا يهضمها هضماً كاملاً.. فأصبح بتلك الطقوس اليومية المنظمة فى المذاكرة طالبًا متفوقًا، بل ومن الأوائل على دفعته، وظل حلمه أن يصبح معيدًا بكلية الطب هو حلم اليقظة الدائم بالنسبة له.. وبالفعل تم تعيينه نائبًا بقسم الجراحة فى مستشفى الدمرداش الجامعى.. بذل ماجد خلال تلك الفترة مجهودًا مضاعفًا ليواصل مساعيه للحصول على رسالة الماجستير ليدعم وجوده فيما بعد كمعيد والتى كانت الخطوة القادمة فى حلمه الكبير.. كان يعمل لساعات طويلة بغير كلل، وهكذا يذاكر أيضًا دونما ملل.. كان قد تدرب خلال فترة دراسته السابقة على إجتياز الإمتحانات الشفهية والتى كانت فى الكثيرمن المواد لها درجات أكبر من الامتحانات النظرية، وبالرغم من تلميحات بعض أصدقائه من الأقباط بأن الامتحانات الشفهية هى منطقة ملغمة، بحيث يمكن لأعضاء أى لجنة امتحانات شفهية وضع درجاتها كما يحلو لهم بدون أى رقيب، بل وخروج أسئلة الامتحانات الشفهية أحيانًا عن الموضوعات الطبية إلى موضوعات أخرى جانبية لا تمت للطب بصلة بغرض الاستفزاز ومن ثم العمل على تدنية درجات الطالب الإجمالية، وبالتالى عرقلة تقدمه.. إلا أنه لم يلق بالًا أبدًا لكل تلك التحسبات بل كان يعتبرها تحميل للموقف أكثر مما يحتمل من جانب بعض الطلبة إما لحساسيتهم الزائدة أو لمداراة فشلهم و إخفاقهم فى تلك الامتحانات.. بعضهم يأخذ الموضوع بحساسية، وربما من المقبول ألا يلاموا على ذلك.. وبالفعل مرت إمتحاناته الشفوية جميعها بسلام دون أية مشاكل.. أما الآن وفى مرحلة الإعداد للماجستير لاح فى الأفق الدكتورعبد المعز عنتر، المشرف الرئيسى على رسالة الماجستير والمعروف بتحفظه الواضح الغير مبرر فى التعامل مع الطلبة المسيحيين.

عندما ظهر فى حياته الدكتور عبد المعز عنتر، وحينها فقط عرف ماجد مرارة الرسوب لأول مرة فى حياته فى رسالة الماجستير.. حاول ماجد بعد ذلك فى عدة لقاءات محبطة مع الدكتور عنتر محاولة معرفة السبب الحقيقى لرسوبه، وبأن ذلك يتناقض تمام التناقض مع ماضيه الناجح بل ومع إجاباته فى الامتحان الأخير والذى هو متأكد من صحتها وسلاستها تمامًا مثلما هو متأكد من أنه واقف أمام الدكتور عبد المعز.. إلا أن عبد المعز كان يجاوبه دائمًا بإجابات سطحية عامة وعائمة بل كان يغلف إجاباته بابتسامة مصطنعة لا يتطلبها الموقف أبدًا.. أحس ماجد أنه تثقل جدًا فوق الطاقة حتى يأس من الحياة.. وقد أفضى ذلك إلى اللقاء الأخير بينهما الذى انتهى بشبه مشادة كلامية، لم يتجاوز فيها ماجد حدود الأدب ولكنه تيقن فى النهاية أنه قد وصل إلى طريق مسدود وقد تحطمت أحلامه تمامًا على الصخرة التى وضعها القدر فى طريقه.

خرج ماجد من مبنى الكلية إلى الطريق العام فى ليلة شتوية ولكن حرارة الموقف لم تدعه يحس ببرودة الشتاء، وضع يديه فى جيوب السويتر الشتوى وقادته قدماه إلى أقرب كنيسة للمكان حيث كانت هناك صلاة عشية.. دخل ماجد إلى الهيكل وصلى الصلاة الربانية وجلس على الأرض وهو يحس بفقدان جميع الأشياء لمعناها بل حتى الحياة أصبحت بدون معنى.. إنه مظلوم ظلم واضح، فجأة كل ما كان يحلم به طوال حياته انتهى فى لحظات ولابارقة أمل فى أن يعود. ظل جالسًا فى الهيكل لم يسمع كلمة واحدة مما قاله الواعظ كان ذهنه مركزًا فى الحوار الذى دار منذ لحظات بينه و بين الدكتور عبد المعز.. لم تلتقط أذناه سوى عبارة "ثق فى الرب" من جميع كلمات العظة التى ألقاها الكاهن.. كانت العظة تدور عن إيمان ابراهيم وعن خروجه من أرض مصر وهجرته إلى أرض أخرى، وكيف أن الرب كان معه فى الأرض الجديدة كما كان معه قديمًا فى وطنه السابق .. أوحت له العظة بفكرة ما.

فى صباح اليوم التالى رتب أوراقه وذهب إلى السفارة الأمريكية وتقدم بطلب هجرة، وسعى فى الفترة التالية سعيًا حثيثًا لإنهاء كافة الاجراءت بصورة سريعة، وبالفعل بعد عدة شهور سافر إلى أمريكا مودعًا أبيه وأمه الملتاعين لفراقه.

(٢)
منذ وطأت قدماه بلاد العم سام، أدرك ماجد سريعًا أن العمل ثم العمل هو السبيل الوحيد لإثبات وجوده وتثبيت أقدامه فى هذا المجتمع ذى الإيقاع السريع .. عمل بكل إخلاص وأمانة بل و تفانى فى عمله الدءوب بكل جد ومثابرة.. حصل على رسالة الماجستير ثم حصل على الدكتوراة بتفوق.. كان واسع الصدر بشوشًا فى معاملة مرضاه من الأمريكيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى، كان ينصحهم تارة ويداعبهم تارة أخرى حتى ارتفعت شعبيته بين المرضى والزملاء معًا.. مرت السنوات سريعًا استطاع بانضباطه فى العمل ودقته الشديدة فى التعامل مع جراح مرضاه وحبه لهم أن يصبح جراحًا شهيرًا، أطلقوا عليه لقب "صاحب الأنامل الذهبية" وذاع صيته شيئًا فشيئًا حتى أصبحت شهرته ملء الأسماع والأبصار ليس فى أمريكا فقط بل والعالم أيضًا.. عندما كانوا يسألونه فى الأحاديث الصحفية المصرية عن اضطهاد الأقباط، كانت دبلوماسيته تجعله لا يفصح عن تجربته الشخصية، وأن يتكتم على غرابتها.. لكنه كان يتحدث عمومًا عن أحوال وطنه، وعن التسامح الذى عاشه حقيقة قبل ذلك فى مصر بين أصدقائه من المسلمين والمسيحيين وبأن من لديه الذكاء والموهبة، ويعمل بجد لن يجد الاضطهاد إليه سبيلاً.

تنبه الدكتور ماجد على صوت جرس تليفون غرفته ، قام مسرعًا بعد أن كان قد انتهى من شرب قدح من القهوة.. التقط السماعة وعرف أن السيارة الخاصة التى أرسلتها الجامعة لتقله إلى مكان المؤتمر قد وصلت، وأن السائق جالس فى انتظاره فى الريسبشن. طلب من المتكلم أن يقدموا للسائق شيئًا ليشربه.. خلال عشر دقائق كان قد انتهى من ارتداء ثيابه الأنيقة.

استقل السيارة بصحبة السائق وبعد لحظات كانت السيارة تجوب به شوارع القاهرة .. فى غضون عشرين عامًا تبدلت معالم القاهرة كثيرًا، لكن أركانها الأساسية لا تتبدل مثل حجرات قلبه الذى تسكنه بمبانيها وشوارعها.. ثم استأنف السباحة.

لم يكن يتوقع ماجد أبدًا ما يمكن أن تخبئه له الأقدار ففى العام الماضى وأثناء فترة أسبوع الآلام كانت مديرة مكتبه الأمريكية، مدام بريجيت، تعرض عليه الجداول التى رتبتها بنفسها لمواعيد إجراء العمليات الجراحية وبيانات المرضى، قرأ الأوراق بسرعة، لفت نظره أحد الأسماء! عاد ببصره مرة أخرى ليتأكد من الإسم .. إنه فعلاً الدكتور/ عبد المعز عنتر عبد الوهاب.. المهنة: أستاذ الجراحة العامة بجامعة عين شمس .. "يالعبث الأقدار، يالها من مصادفة .. هذا الوغد لن أعط له موعدًا، لن أقم بإجراء تلك العملية له. "Damn you, go to hell" فليذهب الى الجحيم، فليمت .. سأعتذر عن إجراء العملية فمواعيدى كلها مشغولة لعدة أشهر كاملة".

كان هذا فى صباح الجمعة .. انصرف من مكتبه مبكرًا قادته قدماه إلى الكنيسة، كما قادته قديمًا عندما تعرض لأزمة نفسية بسبب نفس الشخص .. دخل الكنيسة .. ووجد صورة السيد المسيح مصلوبًا محاطة بالشموع والأنوار الكهربية والزهور.. فاليوم هو الجمعة العظيمة أخذ يصلى أمامها ثم جلس قليلاً وعاد ببصره إلى الصورة، ونظر إليها ولكن هذه المرة نظر إليها كما لم ينظر إليها من قبل!! فالمسيح مصلوبًا.. وما الصليب إلا ظلم .. ظلمٌ كبيرٌ لا يمكن أن يقارن به أى ظلم آخر على وجه الأرض حتى الظلم الذى تعرض له هو نفسه .. وماذا كانت ردة فعل المصلوب؟ .. المغفرة .. لقد غفر لصالبيه .. طلب المغفرة لهم لأنهم لا يدركون مدى جرم ما يقترفون.

فى صباح يوم سبت الفرح عاد إلى مكتبه وطلب من مديرة مكتبه مرة أخرى أسماء المرضى، قرأها ثانيةً .. طلب منها أن تحدد لجميع الأسماء مواعيد ثم تطلعه عليها وتعلمهم بذلك.. جميع الأسماء بما فيها إسم الدكتور عبد المعز عنتر.

(٣)
قال له السائق: "وصلنا يا دكتور". نظر من نافذة السيارة إلى مبانى الجامعة بعضها ما زال كما هو وبعضها لمسه التغيير، عانقها بنظراته كأنها أصدقاء قدامى أعزاء لديه أو جزء عزيز من وجدانه كم آلمه ولكنه كم يحبه .. كاد أن يبكى.

كان فى استقباله رئيس الجامعة، وعميد كلية الطب، ولفيف من الأساتذة .. تبادلوا التحيات والترحاب الحار به .. جلس فى مكتب رئيس الجامعة تناول قدحًا آخر من القهوة وكانت الأحاديث عن أحوال التعليم فى مصر، وأمريكا، والعالم .. جاء الموعد المحدد للمؤتمر.. ذهب وبصحبته مضيفه الى المدرج المحدد حيث اكتظ بأساتذة الطب من مختلف الجامعات، وأساتذته السابقين وبعض زملائه القدامى، وأحيط المنبر الذى جلس عليه ببوكيهات الورود.. قدمه رئيس الجامعة للحضور وهو الغنى عن التعريف .. بدأ ماجد الحديث عن أحدث الصيحات العالمية فى جراحات القلب مع شرح مستفيض لأحدث الأجهزة المستخدمة على عرض تقديمى كان قد أعده خصيصًا لتلك المناسبة، وسلمه لمسئول العرض قبل بداية المؤتمر.. بعد أن فرغ من حديثه ابتدأ يجيب عن أسئلة الحضور واستفساراتهم.. وما أن انتهى الوقت المحدد لمحاضرته، حتى اصطف الجميع لتحيته ومصافحته..

تعرف عليه من بعيد قبل أن يصافحه، أحس بمرور الزمن لكن رؤيته أعادت الشباب لذكرياته القديمة فى مصر ووضعتها تحت الشمس بدلاً من المناطق المعتمة.

توقف كثيرا عند زميله القديم والذى كان يصغره بعام دراسى، الدكتور مصطفى رفعت.. كان طالبًا متفوقًا، ودمث الخلق، ومرحًا، وكان مثله من الأوائل على دفعته أيضاً وتجمعهما العديد من الصور الفوتوغرافية التى ما زال ماجد يحتفظ بها إلى الآن فى أمريكا، لقد كان يحمل ملامحه الطيبة التى تذكره بمصر معه طوال تلك السنوات، وإن كان الشيب قد علاها الآن.. دهش ماجد عندما علم منه أنه لم ينضم الى هيئة التدريس بالجامعة كما كان يعتقد، وأنه جاء فقط وحجز مكانًا بالمؤتمر عندما سمع عن قدومه وأنه يتابع أخبار نجاحاته العالمية عبر وسائل الإعلام.. عرف ماجد أن مصطفى لم يتم تعيينه كأستاذ بالجامعة لأنهم فضلوا عليه آخر أقل منه تفوقًا ولكنه ابن لأحد الأساتذة بكلية الطب.. طال الحديث بينهما حتى أحجم الآخرون عن الاقتراب منهما لبعض الوقت حتى يفرغا من حديثهما.. أحس ماجد أنه يتحدث إلى جزءٍ عزيزٍ من نفسه عائد من الماضى.. كأن الزمان قد عاد بهما إلى مساره الصحيح بعد أن زالت مساحات من الوهم والدخان والضباب فُرضت عليهما، وباعدت بينهما.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز