البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
تابعت بأسى مع الملايين عبر شاشات التلفاز الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وصور البنايات المتهدمة، والقتلى من النساء، والأطفال، والشباب، والشيوخ ليضاف للاجئى نكبة 1948، ونازحى نكسة 1967 مهجرو 2021. 

وفى الوقت الذى تثبت فيه دولة إسرائيل أقدامها حدودياً ودولياً، ينتقل الفلسطينيون من سيئ إلى أسوأ فيما يخص ذلك، فإذا كانت اتفاقية أوسلو 1993 من أفضل الاتفاقيات فيما يخص الصراع العربى الإسرائيلى بإشارتها للمرة الأولى إلى الحكومة الذاتية الانتقالية الفلسطينية أو "الدولة الفلسطينية"، كما أثمرت أوسلو أيضاً ثماراً إيجابية فى اتفاقية غزة- أريحا 1994 التى عقدت بالقاهرة بإيجاد حكومة فلسطينية عُرفت بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وانسحاب جيش الدفاع الإسرائيلى من غزة وأريحا فى الضفة الغربية، وتحرير تسعة آلاف أسير فلسطينى من السجون الإسرائيلية. 

إلا أن إسرائيل عادت بعد فترة واستردت جزءًا من الأماكن التى كانت قد انسحبت منها، كما ولم تظهر دولة فلسطينية إلى الوجود حتى الآن! .. فما الذى يؤدى إلى تقهقر المكاسب الفلسطينية باستمرار، ومن مصلحة من أن تظل القضية على ماهى عليه على الدوام بدون أية حلول؟. 


إذا قمنا بتحليل الواقع الفلسطينى والعربى فيما يخص القضية سنجد أنه من الممكن تلخيصه فى ثلاث فئات يمكن تسميتهم بالحروف (أ)، (ص)، (م)، الفئة الأولى (أ) هى فئة الشعراء، والفئة الثانية (ص) فئة الصابرون والصامدون، والفئة الثالثة (م) هى فئة المزايدون والمنتفعون والمتاجرون.

الفئة الأولى (أ) وهى فئة الشعراء تضم قطاعاً عريضاً فى الوطن العربى يحاربون ويناصرون القضية لفظياً وكلامياً "على القدس رايحين بالملايين"، "لكِ الله يا فلسطين"، "واقدساه، واحسرتاه"، تلك الفئة ليست سيئة ولكنها فى جانبها الإيجابى تحمل نوايا طيبة لفلسطين، لكنها كثيراً ما تكون حالمة ولا تقدم ولا تؤخر، بالطبع ليس المقصود بتلك الفئة كبار الشعراء العرب والفلسطينيين مثل محمود درويش، ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وفاروق جويدة فهؤلاء قدموا إنجازاً لغوياً وأنتجوا أدبيات للقضية الفلسطينية ستظل خالدة، أما الجانب السلبى لتلك الفئة فهى أن تبقى القضية الفلسطينية "قضية ديماجوجية" حتى يُتخيل أن تضم شركات الدعاية فى الوطن العربى قسماً فلسطينياً من أجل كليشيهات دعم القضية الفلسطينية، الدعم الديماجوجى بدون إحراز أى تقدم فعلى على أرض الواقع والتاريخ، ولكننا سنشير إليهم مرة أخرى عما قليل.

الفئة الثانية (ص) وهى "الصابرون والصامدون" من الفلسطينيين شعباً وقيادة الأمهات الثكلى، الأطفال اليتامى، والرجال المحاصرون، والقيادات الفلسطينية التى كرست حياتها وشبابها وأفنت عمرها فى خدمة بلادها، يمكننى أن أزعم بكل فخر أن تلك الفئة تضم أيضاً "مصر وجيشها" لأن مصر خاضت حرب 48 من أجل فلسطين وما تلاها من حروب أخرى، وشجعت الزعيم ياسر عرفات عندما كان طالباً بكلية الهندسة بمصر بأن يكون رئيساً لرابطة الطلبة الفلسطينيين التى شكلها فى مطلع الخمسينيات فى القاهرة، وفى تلك الأجواء ولدت حركة "فتح" الوطنية، والتى أخذت على عاتقها تبعات المشروع الوطنى الفلسطينى، وانتشرت فروعها فى كل الدول العربية والأجنبية.

وفى 28 مايو 1964 أعلن المجلس الوطنى الفلسطينى فى القدس تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية" بحضور حركة فتح، ثم أعلنوا فى 2 يونيو أن منظمة التحرير الفلسطينية هى الممثل الشرعى المعترف به عربياً للشعب الفلسطينى، وتم إقرار الميثاق الوطنى الفلسطينى، والنظام الداخلى للمنظمة، وتشكيل جيش التحرير الفلسطينى.

وقررت القيادة السياسية المصرية دعم فتح، وكفاح فتح منذ البداية، وأقامت تدريبات عسكرية مكثفة لكوادر فتح، وسبق ذلك إرسال طائرات عسكرية مصرية تحمل سلاحاً، ومعدات، وخبراء عسكريين إلى سوريا والأردن حيث استقر أن يكون عمل فتح العسكرى فى البداية، وطلب جمال عبدالناصر من ياسر عرفات أن تقوم فتح بتصعيد العمليات العسكرية، فى ذات الوقت الذى كانت تستعد فيه مصر وسوريا لمحاربة إسرائيل.

أما الفئة الثالثة (م) فئة المزايدون والمنتفعون والمتاجرون، فبينما تعتز الفئة الثانية الصابرة والصامدة بشعر الفئة الأولى، فإن تلك الفئة الثالثة تستخدم شعر الفئة الأولى فى تأجيج المشاعر، وإثارة الفتن بين أبناء الوطن الواحد إنها فئة المنتفعين، ومن يريدون سحب البساط من تحت أقدام مصر، والحركة الوطنية الفلسطينية لضمان بقاء الصراع العربى الإسرائيلى كما هو بدون إحراز تقدم، ولإسباغ الصفة الطائفية عليه أمام العالم ليصدق المزاعم الصهيونية بأن الفلسطينيين ظاهرة دينية.

قديماً عندما كانوا يوجهون صاروخاً لإسرائيل كان يمكننا أن نقول: "برافو، عفارم، هل من مزيد"، لكن اتضح أن صواريخهم لا توجه إلى أهداف أو منشآت، وإنما تنير سماء إسرائيل لتسلية المستوطنين، ولا تؤذى أحداً، وإن حدث فبضعة أفراد، إنها لا ترقى حتى لأن تكون حرب عصابات والتى معناها بالإسبانية الحرب المصغرة، ويمكنك أن تقارن بنفسك بين حجم خسائر كلا الطرفين.

فرق كبير بين تلك الصواريخ وبين ما فعلته مصر فى "حرب الاستنزاف" 1969 بين القوات المصرية شرقى قناة السويس، والقوات الإسرائيلية التى تكبدت خسائر فادحة وفقدت المدمرة "إيلات" من جراء التصعيد المحسوب للقوات المصرية من قوات صاعقة ومقاتلين.

وبذلك يصبح للشعب الفلسطينى عدوين "إسرائيل" و "حماس" فكلاهما يؤذيانه، ويصيبانه بأضرار جسيمة، ويقامران بوجوده، ويتآمران عليه، إن فلسطين الآن مازال ليس لها وجود كدولة، وإسرائيل دولة تبدو حصينة، ليس هذا بالطبع دعوة للتطبيع مع إسرائيل، فلست من "دعاة التطبيع" مع غياب الحق الفلسطينى، وفى ظل التعامل الوحشى للآلة العسكرية الإسرائيلية مع الفلسطينيين، فلا شىء يمكنه أن يجبرنا على تقبل تلك البشاعة الإسرائيلية، ولكن ينبغى أن نعى جيداً أنها ليست حرباً بين دولتين، وإنما حرباً بين دولة وشعب ينبغى أن تكون له دولته، وإسرائيل مثل أى دولة ستفعل كل ما تستطيع من أجل تأمين الدولة، فكيف سيتمكن الفلسطينيون من إقامة دولتهم وهم يحاولون إظهارهم بمظهر من يهددون أمنها على الدوام، فينبغى الوصول إلى اتفاق حالى على حدوث هدنة.

لكن مصر ستستمر فى أداء دورها الريادى والقيادى، ومواصلة مسؤوليتها التاريخية، وإعادة إعمار غزة، وتقديم كل الدعم للشعب الفلسطينى على الرغم من أن حماس هى فرع الإخوان المسلمين فى فلسطين، الإخوان الذين تآمروا على أمن مصر واستقرارها لكنها استطاعت تكبيل خيانتهم فى "ثورة 30 يونيو".

لقد فرغ المصريون منذ عدة أيام من متابعة الجزء الثانى من مسلسل "الاختيار" بشغف حيث تابعوا خلال جزئيه الأكثر شعبية، والأعلى نسبة مشاهدة بين المسلسلات المصير الدموى الذى آلت إليه مصر خلال حكم الإخوان، والمنتظر لو كانوا قد استمروا، ومقتل خيرة شبابها وجنودها وضباطها، فبالطبع ليس من المعقول أو المقبول أن يكون أبطال الجزء الثالث هم "القتلة" أنفسهم، لكن مصر تفعل ما تفعله من منطلق إنسانى فقط، تفرضه مكانتها كشقيقة كبرى... وليتعلم الجميع من دروس السياسة المصرية قديماً وحديثاً، فالعبرة لمن يعتبر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز