أحمد محمود
غزت الدول الغربية واستعمرت معظم بلدان العالم، ولم تشعر أبدًا بالخجل من سرقة ثروات هذه البلاد، بل واستعباد أبنائها، وأنه من خلال نفى المحكومين من مواطنيها بالجرائم شديدة الخطورة إلى القارة الأمريكية الجديدة، نشأت الولايات المتحدة الأمريكية، واشتهرت تلك الدولة باختطاف واستعباد سكان قارة إفريقيا، هذه الدولة الكبرى التى تتشدق بالديمقراطية، تعرض سكانها المهاجرين الملونين، ومازالوا يتعرضون حتى الآن لبعض من العنصرية، حتى بعد أن حكمها رئيس ملون لدورتين وهو باراك أوباما.
نعود للدول الاستعمارية الغربية، وأقصد بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، تلك الدول التى وقعت فيما بينها بكل وقاحة اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916، واستولت بموجبها فرنسا على غرب سوريا ولبنان وولاية أضنة، واستولت بريطانيا على منطقة جنوب وأواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناء عكا وحيفا فى فلسطين، أما روسيا فقد استولت على الولايات الأرمينية فى تركيا وشمال كردستان.
واعترفت المعاهدة كذلك بحق روسيا فى الدفاع عن مصالح الأرثوذكس فى الأماكن المقدسة، ولا أعلم إن كان ذلك الحق لا يزال ساريًا أو يستخدم حتى الآن أم لا.
وبنفس هذه الوقاحة، منحت بريطانيا عام 1917 دولة فلسطين للحركة الصهيونية، لإقامة وطن قومى لليهود، بموجب وعد بلفور، تلك الوقاحة التى سمح فيها المستعمر الغاصب لنفسه بأن يمنح ما لا يملك لمن لا يستحق، وهى نفس الوقاحة التى يردد بها ساسة الغرب، وساسة الكيان الصهيونى، تلك الادعاءات عن الديمقراطية، وضرورة التزام الفلسطينيين ضبط النفس، إزاء الانتهاكات الصارخة التى يتعرضون لها، وحتى بعد أن قصفت قوات الاحتلال بيوتهم، وسقط المدنيون من النساء والأطفال، يخرج علينا الساسة الأمريكان وكبيرهم، بتصريح وقح بحق الكيان الصهيونى فى الدفاع عن نفسه، هو فقط، ولا أحد غيره.
المنظمات الدولية أيضًا وعلى رأسها الأمم المتحدة، كانت وما زالت تذهلنى بقدرة أمنائها المتعاقبين على إبداء القلق الكاذب المزيف، وما زالت ذكرى الأمين العام الأسبق "بان كى مون" الذى كان لا يتوقف عن الإعراب عن قلقه من الانتهاكات العنصرية، وتحديدا تلك التى تحدث من الكيان الصهيونى، قلق دون أن يحرك ساكنا بقرار، أو لتنفيذ قرار يلزم الكيان الصهيونى، بالإذعان لقرارات الأمم المتحدة، تلك القرارات الخاصة بفلسطين منذ 1948 وحتى يومنا هذا.
توعد وزير الداخلية الألمانى "هورست زيهوفر" بإجراءات صارمة لمواجهة أى مظاهر لمعاداة السامية، وبالتصدى لأى هجمات على مؤسسات يهودية فى ألمانيا، وقال إن "من ينشر كراهية معادية للسامية، سيواجه أشد درجات صرامة سيادة القانون"، موضحًا أنه يجب ألا يعيش اليهود مرة أخرى فى خوف فى ألمانيا، ورغم اتفاقى معه فى أنه لا يجب أن يعيش أى شخص فى أى مكان فى العالم فى خوف، إلا أننى أتعجب من تناسيه لحاجة الفلسطينيين، لأن يعيشوا دون خوف فى بلادهم هم أيضًا، وأنه حين يتحدث هو أو غيره عن معاداة السامية، فإنهم على ما يبدو، لا يدركون أن العرب، هم أيضًا من أبناء سام.
الغريب أن هذه الأخلاق والسلوكيات، انتقلت إلى بعض الدول، ومنها على سبيل المثال إثيوبيا، التى عانت من حروب عديدة، سواء الحرب الأولى عام 1896 والثانية عام 1935 وكلاهما مع إيطاليا، أو الحرب مع إريتريا منذ أن سعت إريتريا للاستقلال عام 1961، وها هى إثيوبيا، التى تدفع فاتورة باهظة من غياب التنمية بسبب تلك الحروب، تسلك نفس المسلك، فى إنكار حق مصر والسودان فى حصتهما من مياه النيل، وفى حقهما الأصيل فى ضمان التنسيق الكامل فى إجراءات ملئ خزان سد النهضة، يحدث ذلك فى الوقت الذى تبدى فيه الدولتان أقصى درجات التعاون وضبط النفس إزاء هذا الصلف، والغريب أن إثيوبيا تنسى تماما تاريخ حروبها، وما سببته تلك الحروب لها، وها هى تلوح فى كل فرصة بالحرب، وكأنها هواية لا تستطيع الاستغناء عنها.
أتمنى أن يتخلص الساسة الغربيون، ومن يسلك مسلكهم، من هذا الإرث الاستعمارى "الوقح" ومن لغة القوة، وأن يدركوا أن العلاقات الدبلوماسية الجيدة تنشأ عبر الحوار المتوازن، وأنه لا ينبغى أن تكون القوة، هى الوسيلة لفرض الإجراءات المنحازة، وأن السلام لا يمكن تحقيقه بين الشعوب بقوة السلاح، وأن الحرب ليست لعبة تتسلى بها الدول، وإن السلام يثمر من خلال الاعتراف بالحقوق، ونبذ العنف، وإعادة ما تم انتزاعه والاستيلاء عليه بالقوة، عندها فقط سوف يتخلص العالم من إرث وقاحة الاستعمار.