مريم عيد
ومع رد الفعل ظهرت فى هذه الأوقات فكرة وجود إدارة دائمة لطوارئ التغيرات المناخية بأن تتوقع حكومات الدول المختلفة أن تكون دائما على أهبة الاستعداد لمواجهة أمور مثل الطقس الخماسينى، وحرائق الغابات، ومخاطر الفيضان، وهذا بدوره ينبع من ثقافة "إدارة الأزمات" التى كثيرا ما نفتقدها.
كما زادت فى أمريكا أهمية دور شركات التأمين على مخاطر تغير المناخ، فقد قامت الولايات المتحدة بزيادة القيمة السعرية التأمينية ضد مخاطر الفيضان مما يمنح تغطية أعلى للمنازل المتواجدة فى مناطق أكثر عرضة للفيضانات، وأكثر تضررا من مخاطرها، مع توقعات بصدور أمر تنفيذى من الإدارة الأمريكية لشركات التأمين بمزيد من التقييم، وتحديد المخاطر المتعلقة بالفيضان.
أما بالنسبة للصين فإنها تسهم بمفردها بنسبة 28% من انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى نظرا لاعتمادها على الفحم الحجرى لسرعة وسهولة التصنيع، وتحقيق المنافسة، وزيادة الانتشار فى جميع أسواق العالم.
هناك بالطبع أهمية شديدة فى أن يتنبه العالم إلى ضرورة الإقلال تدريجيا من استخدام "الوقود الأحفورى" أى البترول أو الفحم أو الغاز، وهذا التخفيض سيتطلب أن تلمس حياة البشر بعض التغييرات فى طرق تصنيع منتجاتهم، وتدفئة منازلهم، وقيادة سياراتهم.
ثم تأتى المرحلة التالية، وهى مرحلة الوصول بالانبعاثات الكربونية إلى النسبة "صفر"، ولكى يحدث ذلك ينبغى التوسع فى خطوط التحول إلى الطاقة المتجددة مثل الماء، والرياح، والطاقة الشمسية، ومن ثم اعتماد اقتصادات الدول عليها بدرجة أكبر لأنه إذا كانت عملية التحول إلى الطاقة المتجددة ذاتها مُكلفة، لكن برامج الطاقة الشمسية، على سبيل المثال، ستقدم فيما بعد أرخص مصادر توليد الكهرباء على مر التاريخ.
يمكن أن يتم ذلك فى البداية بإعطاء أوامر رسمية مبدئية لشركات الطاقة بضرورة توليد نسبة محددة من الكهرباء من الرياح أو الطاقة الشمسية بعيداً عن الوقود الأحفورى، وذلك تمهيدا لتحويل نظام الطاقة بعيدا عنه.. ففى أمريكا هناك اتجاه بإلغاء تقديم يد العون، والدعم للوقود الأحفورى عن طريق إلغاء عشرات الإعانات، والثغرات الضريبية لشركات الفحم، والغاز، والبترول الكبرى من أجل خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحرارى بما لا يقل عن 55% قبل عام 2030 بعد أن كان المستهدف قبلاً هو إقلالها بنسبة 40% فقط.
الكثير من الدول الآن أصبح لديها طموحات كبيرة فى خفض الانبعاثات الكربونية، فكلاً من الاتحاد الأوروبى، والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة بايدن وعدا بضخ تريليونات الدولارات من أجل إتمام عملية التحول السريع، ربما سيؤثر ذلك بدوره على قطاع الأعمال لوجود أسباب للاستثمار فى الطاقة النظيفة، والامتناع عن الاستثمار فى أبار البترول أو محطات الطاقة بالاعتماد على الفحم، والتى من الممكن أن تصبح نوعا من الاستثمار قد عفا عليه الزمان بعد ثلاثين عاما من الآن.
ستوضع التغيرات المناخية فى الاعتبار عند صناعة القرارات المالية أيضا بحيث يصبح أمرا إجباريا على أصحاب الأعمال والمستثمرين اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل التحول إلى عالم خالٍ تماما من الانبعاثات الكربونية.. وقد بدأت بالفعل العديد من البنوك المركزية بجعل ذلك جزءا من النظام المالى العالمى، وسيكون هذا محورا هاما فى مؤتمر جلاسكو القادم بإسكتلندا، والذى تم تأجيله فى عام 2020 إلى نوفمبر 2021 بسبب تدابير فيروس كورونا الاحترازية، والذى ربما سينجم عنه سياسات جديدة ذات صلة بالعوامل البيئية.
وقد بدأ بالفعل الاهتمام بإيجاد بدائل صديقة للبيئة غير الكيروسين التقليدى فى قيادة السيارات، والطائرات، مع التفكير فى تصميم أجزاء كهربية إضافية للطائرات، كما يتم بالفعل الآن إضافة الإيثانول المصنوع من القمح، والسكر إلى وقود السيارات فى العديد من الدول الأوروبية، وذلك إلى حين ظهور "السيارات الكهربية" وانتشارها.. يمكنك البدء بنفسك من الآن فى الحفاظ على صداقة البيئة بأن تحرص على السير بدلاً من استخدام السيارة كلما تسنى لك ذلك.
السينما العالمية شاركت بدورها أيضا فى الاهتمام بقضايا البيئة بأفلام مثل Aquaman فى 2018 الذى أشار إلى قضية تلوث المحيطات، وفيلم Dark Waters من إنتاج 2019 والذى يتناول تأثير الكيماويات من خلال قضية بيئية شنها محامٍ ضد إحدى الشركات، وفيلم الخيال العلمى Avatar فى 2009 للمخرج الكندى "جيمس كاميرون" مخرج فيلم تيتانيك الشهير، وهو مناصر فى ذات الوقت لقضايا البيئة، ومن المنتظر ظهور الجزء الثانى للفيلم Avatar 2 العام القادم 2022.
مع عودة الاهتمام بالتصنيع فى مصر ثانيةً لن يُكتفى بالإرشاد إلى اتباع القواعد السليمة، لكن ينبغى أن يوضع ملف تحول نظم الطاقة فى أولويات وزارة البيئة، ومتابعة بيئة العمل، والرقابة على المصانع القديمة، والتى سيتم تشييدها حديثاً على السواء، وزيادة أعداد مفتشى البيئة، ومهام الضبط القضائى لأنه فى المستقبل القريب، وبعد التوسع فى التصنيع الخالى من الكربون ربما سيتم فرض قيود على الواردات القادمة من جميع الدول، وسيشترط أن تكون مطابقة بالطبع للمواصفات القياسية، وخلو طرق تصنيعها من الانبعاثات الكربونية، وسيكون التوسع الصناعى لدينا بلا معنى لمخالفتنا لمواصفات التصنيع الجديدة، إذا أهملنا هذا الجانب البيئى.
ومع وجود مظاهرات فى جميع أنحاء العالم، ومنها مظاهرات الشباب الأسترالى مؤخرا من أجل اتخاذ إجراءات حيال ظاهرة تغير المناخ، وإهتمام الدول الصناعية السبع الكبرى فى قمة كورنوال فى بريطانيا منذ عدة أيام بأولويات المناخ، آن الأوان أن تدخل قضايا البيئة دائرة اهتماماتنا.