البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
صوته يأتى أجشاً متصدعاً عبر التلفاز فى المساء، والجو يوحى بالثقل.. روح الملك مينا باتت سجينة عبر الوادى، أرواح خوفو ورمسيس وإخناتون ما زالت تعانى، كمد عنفوان أحمس فأعدائه هذه المرة من بلاده، تساءل عمرو بن العاص، لحق محمد على الخزى، اعتصر الحزن روح جمال عبد الناصر، واختفى الألق من نظرات أبى الهول فلن ينتظر شمساً بعد اليوم.. تنبأ الكهنة والعرافون فى طيبة بأن دوام الحال بتلك الطريقة من المحال.. مر عامٌ كاملٌ وهو ما زال يلقى خطبته مساءً، وكلما ازدادت كلماته اكفهر وجه الوطن، واشتعل حريق هنا، أو شب حريق هناك، وقتلى يتساقطون، وأمهات ثكلى يأخذن مشهد الصدارة.. انتهت كلمته الأولى والأخيرة، وما زالت الحرائق مستمرة من إثر كلماته.

لقد حكموا منذ عام على الوطن أن يرتدى أثواب الكفن، وأن يدخل إلى القبر وهو ما زال حياً إلى أن يُبت فى أمره وإلا سيتحول إلى أنهار دماء، فكيف إذاً يؤتمن من حكموا على آبائهم، وأمهاتهم، وإخوتهم، أن يدخلوا القبور أحياء! أصابت الوطن غيبوبة من كثرة الأهوال، فتعجلوا أمره وكفنوه، ثم أودعوه المقابر فصارت الجريمة عدة جرائم.

وكافئوا "الحانوتى" بأن صارت وظيفته معتمدة فى الدواوين الرسمية، وليتم استبدال الحاليين بمتعهدى دفن الموتى، وتكفينهم.

"أوزوريس" الصامت منذ فجر التاريخ جمع أشلائه، واستحضر قواه، وجاء يعدو عبر الوادى مسرعاً بروح سرمدية، ويجر شمساً ما زالت قرمزية لكنها ستشرق بعد قليل، نفض أكفانه عنه، ثم تنفس الصعداء.. كانوا قد قرأوا طقوس الموتى، وشعائر جميع الأديان لكن تعالت الأصوات الآن: "يا وطن، هلم خارجاً، إنك ما زلت حيًا" فتمرد واستبدل الأكفان بأبهى الحلل، وأزهى الألوان، وأقسم أن يحول دماء الشهداء إلى خضاب حناء ليلة العرس لعهد جديد.

بعد أن خرج الخبر فى أحد الأيام فى الصحف اليومية، المانشيتات السوداء تعلن نبأ: "وفاة وطن متحضر" أسرعوا الآن لانتشاله من رقاده المفترض، وضعوه على سرير نقال، وأسرع الجميع يجرون العجلات مهرولين إلى غرفة العمليات لإنقاذه، وفى المساء، وبعد ساعات رهيبة استحضروا كل البشر ليقولوا معاً: "هنا القاهرة، وستظل قاهرة" أعلنوا أنهم يشكرون الله، ويشكرون الظروف لأن الوطن "ما زال على قيد الحياة".. تحول النبأ إلى أغنية، وتلخص الحدث الوطنى فى كلمات، ثم بدأ فى التعافى بقوة بعد أن احتضر مؤقتاً.

حلق "النسر المصرى" فى مثل تلك الأيام عالياً إلى عنان السماء، بعد أن اقتاد أسراب الطيور، وفك أسر التاريخ، وأطلق سراح الحاضر.. طار فوق مآذن الجوامع، ومنارات الكنائس، حتى استقر فى ألوان العلم الأبيض، والأحمر، وبجانبهما اللون الأسود لتظل ذكرى احتضار الوطن ذات يوم باقية.

وفجأة وإذ بالجميع تدب فيه الحياة اليوم، بُعثوا مرة أخرى، حدثت القيامة.. فالأوطان كالبشر من الممكن أيضاً أن تُقام من بعد موتها.. لكن الموتى هنا فى الماضى والحاضر بإمكانهم بعث الحياة فيمن ما زالوا أحياءً.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز