حنان أبو الضياء
القلق والاكتئاب وجهان لاضطراب واحد، وقد يهيمن أحدهما على الآخر فى أثناء تطور المرض، وعادة ما يسبق القلق الحاد ظهور الاكتئاب الحاد يذهب بيرتون فى كتابه إلى أبعد مما تصوره معظم الناس.
والاكتئاب مرض العصر الذى يجبر الإنسان على التوقف وتأمل حياته، والنظر إلى أعماقه، نظرة وجودية مليئة بالتساؤلات عن ماهية الحياة والهدف من الوجود.
الكتاب يحذرنا بقوة من أنه عندما يقع المرء ضحية كرب حاد فإنه عادة ما يحاول التأقلم مع هذا التوتر، ومع تكرار محاولات التأقلم قد يُصاب الشخص فى النهاية بانهيار مثل الإكتئاب.
وإذا كان السرطان عملية نمو طبيعية تخرج عن نطاق السيطرة، كذلك الاكتئاب فهو حزن يخرج عن نطاق السيطرة، لذلك يمكننا تسميته بالحزن الخبيث، فالحزن بالنسبة إلى الاكتئاب مثل النمو الطبيعى للخلايا بالنسبة إلى السرطان.
وللأسف يمكن للحزن الشديد أن يتحول إلى حزن خبيث بسيطرته على العمليات المعرفية وتشويهها فيتم تعطيل قدرة الشخص على الاستمتاع بأى شيء فى حياته، ويرجع ذلك إلى توقف استجابة الشخص للمثيرات الممتعة، مما يؤدى إلى الاكتئاب الذى هو بمثابة مرض خطير، ولا بد أن يتم التعامل معه بكل جدية.
تتراكم المعطيات السلبية يوماً بعد يوم فى قلب الشخص وعقله لتفسد عليه متعة الحياة، وتنغص عليه أيامه دون أن يلحظ تسللها إلى نفسه، بل قد يظن المرء أنها مشاعر طبيعية تصاحب التقدم فى العمر، أو أنها أمراض تصاحب الوصول إلى سن الثامنة أو الثانية عشرة أو الخامسة عشرة، هكذا حتى يصل المرء إلى نقطة يقف عندها ويفقد الرغبة فى مواصلة حياته، لأنه يرى أنها حياة فظيعة لا تستحق العيش، وتنتابه المخاوف، ولا يقوى على مواجهة الغد.
بعض الأشخاص يقدمون على الانتحار دون أن تظهر عليهم أعراض المرض العقلى لكنهم يعانون من ضغوطات اجتماعية كبيرة لا يجدون سبيلا للتخلص منها إلا بالانتحار.
يمكن تفسير اكتئاب المشاهير إلى شعورهم بفقدان السيطرة على حياتهم، لأنهم يحصلون على مكافآت نظير ما قدموه فى السابق لا لما يفعلونه الآن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النساء الجميلات اللواتى يُصبن بالاكتئاب لشعورهن بأن الاهتمام بجمالهن فقط دون النظر إلى انجازاتهن.
وفى الحقيقة أن العوامل التى تؤثر على الاكتئاب لا تحصى، وقد تتراوح بين العقائد الدينية وتغيرات الطقس الموسمية، وتشير كل الأدلة إلى أن نسبة وراثة مرضى الاكتئاب قد تصل إلى خمسين فى المئة.
يوفر الدعم الإنسانى حماية للشخص ضد التأثير القاسى للأزمات، كما إنه يساعد على الوقاية من الاكتئاب فى الظروف العادية دون المآسى المفجعة، ولذلك فإن غياب الدعم الاجتماعى فى حد ذاته قد يكون عاملاً فى تحفيز الاكتئاب.
قد يساعد الزواج فى الوقاية من الاكتئاب مثله كمثل كل العلاقات الإنسانية الحميمة لكن الإصابة بهذا المرض تلقى بظل ثقيل على تلك العلاقات وقد تؤدى الخلافات الزوجية لاحقا إلى تفاقم المرض.
هناك جانب آخر لا بد أن ننظر إليه فى علاج مرض الاكتئاب وهو أن عددا كبيرا من المرضى قد يصل إلى 80% يشفى من تلقاء ذاته، دون الاستعانة بأى علاج، وقد يستغرق ذلك عاماً أو أكثر، لكنه شفاء حقيقى.