محمود بسيونى
والحقيقة كانت إجابتى صادمة، إنهم الناصريون أو من يدعى الانتماء لمشروع الزعيم جمال عبد الناصر بينما تصرفاتهم تؤكد عكس ذلك، يكفى التذكير بالمشهد العبثى الذى تم عقب 25 يناير بين الناصرى حمدين صباحى ومرشد الإخوان من أجل كوتة فى مقاعد برلمان الجماعة، وتجاهل حمدين ومن معه تحذير عبد الناصر من الإخوان وأفكارهم ومحاربته لمشروعهم الظلامى.
واستفسرت كيف يمكن للأجيال الجديدة فهم عدم الاتساق بين محاربة عبد الناصر للجماعة الإرهابية ومحاولتهم لقتله، بينما يجلس من رفعوا صوره وتحدثوا باسم مشروعه مع المرشد، وكيف اصطفوا خلف الإخوان عند مهاجمتهم للجيش المصرى والدولة المصرية.
لقد قدم هؤلاء للإخوان ما لم يحلموا به يوماً، أن يصبح لدى الجماعة ظهيراً مدنياً يخدمهم فى صراعهم مع الجمهورية ومؤسسها عبد الناصر، حتى أن بعض الصفحات المحسوبة على الناصريين دافعت عن الإخوان ولم تنتفض ضد تشويه الإخوان لصورة الزعيم لدى الأجيال الجديدة، عبر السوشيال ميديا واختزال إنجازه الكبير لمصر فى مسئوليته عن نكسة 1967.
ومع الأسف تركت الأجيال الجديدة من المصريين وعيها نهباً لخصوم الدولة المصرية واستسهلت التحقق من الأحداث التاريخية، عبر وسائل التواصل الاجتماعى وهى فى غالبيتها، تحت سيطرة القوى الكارهة لمشروع عبد الناصر، وهو أمر متوقع، فالإخوان صنيعة الاستعمار ومهمتهم الأساسية: تفكيك المجتمعات العربية، وإضعاف العرب بشكل عام والإخلال بالسيادة الوطنية، وفتح الطريق أمام مشروعات إقليمية مناوئة للمشروع العربى الذى عبر عنه عبد الناصر وكان سببًا فى التآمر عليه وعلى مصر.
لقد زرع عبد الناصر فى نفوس العرب والأفارقه، الكرامة والكبرياء والدفاع عن الهوية ورفض الاستعمار الأجنبى، وكان تصميمه على الجلاء وتأميم قناة السويس إشارة لكل الشعوب على حقهم فى استعادة ما استولى عليه الاستعمار من أجل التنمية، وأن ثروات الشعوب ليست نهباً أو مشاعًا لأحد.
وبالتفاف المصريين حوله، خرج عبد الناصر من معركة العدوان الثلاثى منتصرا وبطلا، ورمزا لكل شعوب الأرض الراغبة فى التحرر، وذلك كان بالتأكيد سببا فى قلق القوى العظمى.
وزاد القلق أكثر حينما نجحت الخطة الخمسية الأولى 60 -65 فى النهوض بالاقتصاد المصرى، وتنامى قدرات مصر العسكرية. نجاحات عبد الناصر الداخلية والخارجية كسرت الخطوط الحمراء، وأصبحت تجربته نموذجًا مقلقا والتخلص منها مطلبا لقوى عديدة.
تلاقت الإرادات الدولية ضده بعد حملة تشويه ضخمة قادتها هيئة الإذاعة البريطانية ووسائل الإعلام الغربية، وتكرر مشهد تحجيم محمد على باتفاقية لندن 1840 مع عبد الناصر بنكسة 67، كان مطلوبا كسر رمزية عبد الناصر قبل الهزيمة العسكرية، وكان التفاف الشعب حول عبد الناصر وتمسكه به حتى وفاته دليل على وعى فطرى بما حدث وأن مصر ورمزها لن ينكسر.
مع الأسف اختفى ذلك الجيل بفعل الزمن، وقرر الإخوان وداعميهم استغلال السوشيال ميديا فى استكمال المهمة القديمة ضد رمزية عبد الناصر، عشرات الفيديوهات غير الموثقة تاريخيا وضعتها الجماعة الإرهابية وداعميها على منصاتها لتشوية عبد الناصر تحديدا واستخدمته كمنطلق للهجوم على تجربة الجمهورية الجديدة بعد 30 يونيو والتقليل من النجاحات التى حققتها.
تاريخ عبد الناصر وحقيقة ما جرى فى ثورة 23 يوليو تحتاج إلى من ينتشلها من براثن "سوشيال ميديا الإخوان" والوكالات الغربية، وإبعادها عن التشابكات والنميمة السياسية للمثقفين والكتاب، والاهتمام بكشف الحقائق مجردة، للأجيال الجديدة وبالأسلوب ذاته على السوشيال ميديا. وأتصور أنها مهمة تغافل عنها التيار الناصرى فى المقام الأول.